سكن السرور والفرحة خلاياها، فربتت على كتفيه برضا: _إطلع يا حبيبي، ونبقى نكمل كلامنا بعدين. تماسك بصعوبةٍ وهو يستمع لإصرارها بالحديث عن أمر زواجه للمرة التي تعدت الثلاثون، ولكنه الآن لا يملك طاقة لخوض مجادلة عصيبة معها، فإستكمل طريقه للأعلى بصمتٍ تام، حتى وصل لشقته أخيراً، فدث مفاتحه بالباب ثم كاد بفتحه، ولكن سماعه لصوتٍ مألوف إليه جعل يديه تتجمد أطرافه المتمسكة بالمفتاح، وخاصة حينما عادت لتناديه مجدداً: _”غيث”.
القرار الذي سيتأخذه تلك المرة صعب للغاية، إن إلتفت تجاه مصدـ,,ـــر الصوت القادم من الدرج الجانبي ربما سيرى صاحب الصوت، أيعقل أن يكون يتوهم ذلك! مهلاً أذنيه تلتقط صوت شهقات خافتة لبكاءٍ، علها حقيقة ستستهدف غضبه المحتبس بداخله طوال تلك الأشهر، لعق شفتيه بلسانه ليمنحهما رطوبة تزيل قسوتهما، قبل أن يستدير ليصبح مقابلها، نعم وجدها تجلس على الدرج وعلى ما يبدو بأنها هنا منذ فترة طويلة، إستندت بيدها على دَرْبَزِين الدرج، حتى استقامت بوقفتها، كان يعتقد بأنه سيندفع بالسباب العنيف فور رؤياها، كان يستعد لذلك قبل لحظاتٍ، ولكنه فور أن رأها سُلبت الكلمات منه، ربما عينيه تشتاق لرؤياها، وقلبه لسماعٍ دقات قلبها، وجسده يتلهف لقربها منه، فإزدحمت رغباته لتهاجمه بضمها بتلك اللحظة، أصبحت هزيلة كثيراً عما كانت، ويبدو عليها إرهاق الحمل الذي ترك أثره أسفل عينيها السوداء، إنخفضت عينيه تدريجياً تجاه بطنها المنتفخة، الآن هي بشهرها الثامن، نعم يعلم ذلك ويعد لها باليوم، مازال يتذكر اليوم الذي علم به بحملها، ولكن خانته تلك الفرحة فتسببت له بوجعٍ بعدها بإسبوعٍ واحد حينما عاد مبكراً من العمل ليراها ترفع صوتها على أمه حتى أنها كادت برفع يدها عليها، إستحضاره لذلك المشهد الذي لم ينساه أبداً جعل عينيه يستحوذهما شرارة مخيفة، بترت كل ما يحمله تجاهها من شوقٍ دفــ,,ـــــن مع الذكريات الجميلة التي جمعتهما سوياً، فتحرر لسانه ناطقاً بقسوةٍ: _جاية ليه؟
فركت يدها وهي تقترب منه بإرتباكٍ، وبصعوبةٍ قالت: _آآنا… كنت… آآ.. قاطعها بجفاءٍ، وكأنه لم تجمعهما علاقة يوماً: _الإيجار اتدفع ومصاريف الشهر اتبعتتلك وبزيادة، مش شايف مبرر لزيارتك دي! إنهمر الدمع من حدقتيها التعيسة، فخرج صوتها مختنق بالدموعٍ: _أنا مش عايزة الشقة ولا فلوس. رفع حاجبيه وهو يتساءل ساخراً: _أحب أسمع اللي عايزاه. أزاحت العبارات اللامعة بأهدابها قبل أن تجيبه بقوةٍ تحاول التمسك بها: _عايزاك تعرف الحقيقة مش أكتر.
رد عليها بنفس حالة الجمود التي تستحوذ عليه: _اللي هي! رغم جفائه بالحديث معها، الا أنها لم تتوقع الا ذلك، فالتقط نفساً مطولاً قبل أن تخوض معه تلك الحرب التي ستستنزفها نفسياً: _من أول ما دخلت البيت ده ووالدتك مش متقابلة وجودي، كل ما بتشوفني تحت بتقولي كلام صعب على أي حد يستحمله وفي اليوم ده قالتلي آآ… قطع حديثها حينما إقترب ليصبح قريباً منها، فارتدت للخلف بخوفٍ، فحدجها بنظرةٍ قاتلة قبل أن يلحقها صراخه: _وده يديكي الحق إنك تحاولي تمدي إيدك عليها، أنا اللي غلطت من البداية لما دخلتك البيت اللي عمرك ما كنتي تحلمي بيه، أنا السبب في الغلط ده وأنا اللي هصلحه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.