كاد أن يجن في تلك اللحظة، فجذب الإسدال الموضوع على المقعد القريب منه، ثم ألقاه في وجهها وهو يشير إليها بصرامةٍ: _إلبسي. قالت بقلقٍ وهي تتفحص ما بيدها: _هنروح فين؟ لم يجيبها ونهض ليبدل ثيابه، وما أن ارتدت ملابسها حتى جذبها “غيث” للخارج، فدفعها برفقٍ تجاه باب شقة والدته، وقبل أن يدق جرس بابها وقف مقابلها ثم همس لها: _كنتي عايزة فرصة إني أسمعك وأنا سمعتك دلوقتي دورك تخليني أصدق اللي قولتيه.
لم تستوعب ما قاله الا حينما طرق جرس الباب ثم صعد الدرج سريعاً، ليختبئ خلف الدرابزين يراقب ماذا سيحدث، فما أن فتح الباب حتى صاحت والدته بضيقٍ: _إنتي تاني، أنا مش قولتلك متعتبيش هنا تاني! نقلت “عائشة” نظراتها المتعلقة بمكان “غيث” لتتطلع لمن تقف أمامها بتوترٍ، ليس أمامها فرصة سوى التي منحها إياها، والا سيحرمها من ابنها الذي تحمله بأحشائها، والأهم من ذلك خسارتها لحب حياتها، لعقت شفتيها الجافة وهي تحاول إختيار ما ستقول: _أنا مش عارفة ليه حضرتك بتعامليني بالطريقة دي، إعتبريني زي بنتك ترضي حد يعاملها كده!
قالت بقسوةٍ أوضحت عدم رحمتها: _معنديش بنات بيتربوا في ملاجئ يا حبيبتي، ثم إني قولتلك قبل كده خليكي ماشية ورايا عشان متخربيش على عشك وإديكي شوفتي بعينك لما مسمعتيش الكلام حصل أيه؟ إنسدلت دمعاتها بضعفٍ،فقالت بإنكسارٍ: _أسمع كلامك إزاي وإنتي بتشككي في أخلاقي، وبتطلبي مني اللي مفيش ست تقبله على كرامتها.
رفعت يدها لتستند على حافة الباب المطول، ثم رددت بسخريةٍ: _ لا شريفة أوي يا بت، خوفك ده بيثبتلي إن اللي في بطنك ده مش من ابني. صرخت “عائشة” بكل ما إمتلكته من قوةٍ: _حرام عليكي أنتي شوفتي عليا أيه عشان تقولي كده؟ خرجت لتقف أمامها، ثم جذبتها من حجابها الذي كاد بخنق “عائشة”: _هشوف عليكي أيه أكتر من إن أبوكي وأمك إتبروا منك ورموكي في ملجئ، والله أعلم بقى مين اللي رباكي ولا ربوكي إزاي، بس أكيد تربية بنت أبلسة عشان تعرفي توقعي ابني وتخليه يتجوزك بالسرعة دي، بس وربي ما ههنيكي بيه وهجوزه ست الستات اللي تستهله.
تردد بالأرجاء صوت حذاء يهبط الدرج بخطواتٍ بطيئة، جعلت نظراتهن تتركز تجاه من يهبط للأسفل، تركتها على الفور وهي تراقبه بصدمةٍ، إختلطت بكلماتها الغير مرتبة بالمرةٍ: _”غيث” حبيبي إنت رجعت أمته؟ تعالى شوف الزبالة اللي جاية تهددني في بيتي. وقف مقابلها وعينيه تلمعان بالدمع، فطوى صفحة صمته التي طالت: _أنا لأخر لحظة كنت بكدبها لإني حاسس إنها بتتكلم عن واحدة معرفهاش! سقط القناع عما كانت تخفيه، فباتت متخبطة لا تعلم ماذا تقول أو تفعل؟
، فاستدارت تجاهها ثم كادت بمهاجمتها وهي تصيح بإنفعالٍ: _إنتي عملتي كل ده عشان توقعي بيني أنا وابني يا لمامة. حال “غيث” بينهما، ليكن عائق بطريقها لأول مرة، تشبثت به زوجته بضعفٍ، وكأنها تستنجد به فنقلت له رجفة أصابعها ما تعرضت له، ألا يكفيه صدمته بوالدته، فلأول مرة يستحقر نفسه لتلك الدرجة، وجدها تمسك يديه وتجذبه تجاه شقتها وهي تردد ببكاءٍ: _سيبك منها يا ابني دي حية وعايزة توقع بيني وبينك.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.