استندت بذراعيها على مقدمة المقعد المقابل لها، لتهيم بحديث الخادمة الذي زرع الإعجاب بقلبها تجاهه، أعجبت بتفانيه بحبها حتى بعد وفــ,,ـــــاه من أحبت، وبشهامته واصراره على مساعدتها رغم استغلالها له وكذبتها المتعلقة بأمر حبيبها، وُلد بداخلها رغبة بسماع كل شيء يخص هذا الأربعيني الوسيم، فلامست بيدها خصلات شعرها المتدلية على وجهها،وعينيها تراقب ملامحه المتغيرة، فعلى ما يبدو بأن تلك الصورة منذ أعواماً والذي أثار دهشتها جاذبيته التي ازدادت كلما كبر عاماً، فهمست بصوتٍ غير مسموع: _هو العمر بيتقدم معاه ولا بيرجع لورا سنة، غريبة!
قطع حساباتها المعقدة وحالة صدمتها المؤثرة صوت البيانو القادم من إحدى الغرف بالطابق الأسفل، تتبعت “لوجين” الصوت كالدمية المسحورة التي تحركها الساحرة الشريرة، حتى وصلت لأحدى الغرف المغلقة، حررت بابها بربكةٍ غامضة تطرق أبواب قلبها لأول مرة، وخاصة حينما وجدته يجلس على البيانو، يحرك أصابعه على أزراره بحرافيةٍ ومهارة، حتى وعينيه مغلقة، وقفت مقابله تراقبه وتستمع لعزفه الساحر بصمتٍ، مظهره المرتب ببذلته الرمادية الآنيقة، حتى تصفيفة شعره المرتب وعطره الذي يتسلل إليها بالرغم من المسافةٍ بينهما،وكأنه يضع الزجاجة بأكملها، ظنت ببدء الأمر بأنه لم يراها لذا استرقت النظر إليه باستمتاعٍ لعزفه المميز، فكسر صوته الرخيم قواعد الصمت المخيمة بالغرفة: _لو خلصتي مراقبة تقدري تدخلي وتقعدي على الكراسي بدل ما رجلك توجعك من الواقفة.
انفرجت شفتيها بصدمةٍ، فبللتهما لتمنحها ترطيب بعد أن جفت مثل حلقها، ثم قالت بارتباكٍ: _آآ.. أنا كنت بدور على مكان المطبخ لإني جعانة فبالصدفة سمعت صوت البيانو وبصراحة العزف الرائع اللي جذبني لهنا. أغلق باب البيانو الصغير، ثم نهض ليقترب منها، قائلاً بهدوءٍ: _تعالي ورايا. إنصاعت إليه، فاصطحبها لمطبخ القصر الرئيسي، ثم أشار بعينيه لأحدى الخادمات، فأتت مسرعة حاملة صينية دائرية الشكل، تحوي أنواعاً متعددة من الطعامٍ الشهي، فوضعتها على الطاولة المستطيلة الموضوعة بالمطبخ، فجلست تتناول طعامها وعينيها تراقبه، فجذب “عاصي” أحد المقاعد المقابلة لها، ثم جلس يتطلع لها بنظراتٍ ثابتة، قضمت أحدى الشطائر ثم بدأت بالحديث الذي لم تكف عنه منذ أن راته: _أنت عايش هنا لوحدك؟
رفع حاجبيه ساخراً: _لازم يعيش معايا حد! ردت عليه بمرحٍ: _أكيد طبعاً. وتطلعت للخادمة المنشغلة بإعداد للقهوة ثم أشارت بيدها له بأن يقترب ليستمع لما تود قوله، ابتسم “عاصي” على طريقتها الطفولية، ثم قرب وجهه منها، فهمست بخوفٍ اتبع صوتها: _سمعت إن الأشباح بيسكنوا الأماكن اللي زي دي وبالذات لو قصر كبير وقديم، فأنت لازم تأخد بالك وتجيب حد يحصنلك المكان.
رفع حاجبيه متصنعاً الدهشة: _معقول! أومأت برأسها عدة مرات، ثم استكملت حديثها: _إسمع أنت لازم متنامش لوحدك في القصر الكئيب ده ، أنصحك إنك تتجوز عشان مفيش واحدة من الجنيات تعشــ,,ـــــقك وساعتها مفيش حد هيعرف يخصلك. أخفى ضحكاته، وبدى جادياً: _ومين اللي هتقبل تتجوز صاحب القصر المسكون؟ وضعت طرف الملعقة في فمها وهي تفكر قليلاً، فارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة وهي تجيبه: _إحنا ننظم حملة دعايا نطلب فيها عروسة تناسبك.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.