لم يناقشه فيما قال،وتحرك به تجاه وجهته،لتتوقف السيارة أسفل أحد البنايات الراقية، المطعم لونها بالأبيض والرمادي، فقالت “لوجين” وهي تتطلع لاعلى البناية باعجابٍ: _إنت ساكن هنا! لم يجيبها، بل قال بصرامةٍ: _لسه محتاجة الجاكت في حاجة! فهمت مغزى حديثه، فخلعت جاكيته ثم منحته إياه، فإرتداه على الفور، لينحني تجاه نافذة السيارة ثم قال بصوتٍ منخفض: _متفكرش كتير كان لازم نساعدها.
حدجه “غيث” بنظرةٍ ساخرة ثم قال: _ساعدها وإخسر صفقات بالملايين. إبتسم وهو يجيبه بثقةٍ: _إحنا اللي مكسب ليهم مش هما. ثم أشار له بيديه: _أشوفك بكره، تصبح على خير. وإنتصب بوقفته ليغادر “غيث” على الفور، وتحرك هو ليصعد الدرج متجهاً للطابق العلوي، فصعدت “لوجين”، دق الجرس مرتين متتاليتين، ثم وقف ينتظر إجابة أحداهما فقالت بإستغرابٍ: _أنت مش معاك مفتاح ولا أيه؟
لم يجيبها وظل صامداً كشموخ الجبل،حتى فتح رفيقه باب المنزل ثم قال بصوتٍ مرتفع حتى تسمعه زوجته: _”عاصي” أنت إتاخرت كدا ليـــــه! أنا مش مكلمك وقايلك تعالى ندردش شوية مع بعض، جايلي نص الليل! لم يجيبه بل دفعه بالقوةٍ للداخل، حتى يسمح لمن تقف خلفه بالدلوف للداخل، فوقفت “عمر” وشقيقته يتطلعون لمن تقف خلفه بصدمةٍ، وبأنٍ واحد قالوا: _مين دي!
إزدحام إشارة المرور جعله في حالةٍ من الفتورٍ، فأسند رأسه على مقعد السيارة في مللٍ، فمر من جواره دراجة نــ,,ـــــارية تحمل رجلاً وعلى ما يبدو بأن من تجلس خلفه زوجته، إنتبه “غيث” لبطنها المنتفخة، وتمسك يدها بحافةٍ الدرجة خشية من أن تسقط من فوقها فيتأذى جنينها، حتى زوجها كان يراقبها بين الحين والأخر بقلقٍ، حتى خف الإزدحام من أمامهما فقاد على مهلٍ، مراعاة لحملها، سيطرت عليه في تلك اللحظة غيمة من الحزنٍ على حاله، يلوم نفسه أحياناً بأنه سمح لقلبه أن يحبها، وكعادته كلما يأتي ذكرياتها يحاول أن يهرب منها حتى لا يضعف، فأمسك بمقودٍ سيارته ثم تحرك بها، حتى وصل للبناية التي يقطن بأحد زقاقها، فصف سيارته ثم صعد للأعلى وهو يدعو الله أن لا تكون والدته مازالت مستيقظة، فخطى الدرج مسرعاً للطابق الرابع، ولكنها كعادتها فتحت باب شقتها وأوقفته حينما نادته قائلة: _إتاخرت كده ليه يا حبيبي!
جز على أسنانه بغيظٍ، فكم لعن نفسه بأنه إستأجر شقة في نفس العمارة التي تسكن بها والدته، فإستدار تجاهها وهو يرسم إبتسامة هادئة: _كنت مع “عاصي” يا أمي.. وراجع تعبان وحقيقي مش قادر أقف. عقدت “سمية” حجابها حول رأسها بإهمالٍ، ثم أسرعت تجاهه لتسأله بلهفةٍ عما انتظرته لأجله: _طب قولي عملت أيه في الموضوع اللي كلمتك عنه؟
جز على شفتيه السفلية بقوةٍ، ثم مرر يديه على خصلات شعره الطويلة نسبياً قبل أن يجيبها بضيقٍ: _أنا قولت لحضرتك قبل كده أنا مبفكرش في الجواز تاني. إنكمشت تعابيرها الباسمة بحزنٍ، لتردد بعصبيةٍ: _أوعى تكون لسه بتفكر في تربية الملاجئ دي، والله يا “غيث” لو رجعتها تاني لا تبقى ابني ولا أعرفك. زفر بحنقٍ، وهو يوضح لها سريعاً: _يا ماما أنا لا هرجعها ولا هتجوز تاني، أرجوكي سبيني أطلع إرتاح بقا.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.