لأول مرة تشعر بتميز إسمها، ربما لأنه يناديها به لأول مرة، تغاضت عما قاله ثم تفحصت ما يتناوله لتسأله بدهشةٍ: _هو فين أكلك؟ وزع نظراته بين طبقه وطبقها الممتلئ بقطع اللحم والسجدق، مجرد التطلع لما ستتناوله إزعج نظراته فقال بتقززٍ: _لا أنا كده تمام، خليكِ إنتي في طبقك. لوت شفتيها بسخطٍ: _إنت فاكر يعني إني مقدرش أكل الأكل ده.
ضحك على تحديها له، فمسح فمه بمنديلٍ ورقي ثم قدم لها طبقه، فأبعدت طبقها من أمامها ثم تناولت من نفس طبقه وهي تحدجه بنظرةٍ ساخرة، فتابعها بإبتسامةٍ صغيرة، إنتهت من تناول الطبق ثم وضعت الشوكة بمنتصف الطبق الفارغ، ليعم عليها صمت دام لدقائقٍ لتقطعه وهي تهمس بحزنٍ: _بس أنا لسه جعانه، إنت جايبني هنا عشان تمــ,,ـــــوتني من الجوع ولا أيه؟
ضحك حتى كشف عن أسنانه فبدى وسيماً للغاية، فجذب الطبق مجدداً ثم وضعه أمامها ليشير إليها: _لا طبعاً، تقدري تكملي أكلك بس أرجوكي بعد كده متتدخليش في شيء يخصني وبالذات الأكل. رفعت يدها بإستسلامٍ: _تمام يا “عاصي” باشا، بس أنا مش قاعدة كتير فمن الناحية دي إطمن. مجرد التفكير في أمر رحيلها جعل الحزن يتغلب على إبتسامته، فكيف إعتاد عليها وساعات قليلة تجمعهما، إنتهت “لوجين” من تناول طعامها، فوجدته يتأملها، تنحنح بحرجٍ ثم قال: _طب مش هتقوليلي ناوية تعملي أيه بعد كده عشان “قاسم” ميوصلكيش.
تهجم وجهها بغضبٍ: _لازم تفكرني بالملزق ده لما بفتكره نفسي بتصد عن الدنيا والإنتــ,,ـــــحار. عادت الضحكة لتنير وجهه الرجولي، فقال بصعوبةٍ بالحديث: _معلش بس لازم نتكلم. ذمت شفتيها وهي تفكر فيما ستفعل، وبعد وقت ليس بطويل قالت: _والله ما عارفة، أنا حاولت أهرب قبل كده لأي دولة بس كان بيجيبني ابن الملزق.
تعالت ضحكاته بعدم تصديق، فاستطردت بإنزعاجٍ: _أنا فعلاً معتش لقية حل، حتى لما فكرت أنتــ,,ـــــحر أنقذني يعني ورايا ورايا حتى لو داخلة القبــ,,ـــــر. ونهضت عن مقعدها ثم قالت بنومٍ غلبها: _أنا أكيد يعني هفكر في حل وهبلغك بيه، بس أنا دلوقتي عايزة أنام بدري عشان ورايا بكره شغل مهم.. عقد حاجبيه بدهشةٍ: _شغل أيه ده؟
ابتلعت ريقها بتوترٍ ملحوظ، فرسمت ابتسامةٍ غريبة: _لا متشغلش بالك، هتتفاجئ بالنتيجة بس. همس بقلقٍ بعدما إختفت من أمام عينيه: _ربنا يستر. حاولت “لوجين” النوم كثيراً، ولكنها لم تستطيع فهبطت للحديقة تتمشى جوار حمام السباحة، عل الهواء المنعش يساعدها على التفكيرٍ، فالمهلة أوشكت على الإنتهاء وعليها اللجوء لخطةٍ بديلة تحميها من “قاسم”، زفرت بضيقٍ فكلما شعرت بأنها وجدت الحل المناسب يسده عليها من جميع الإتجاهات، وكأن جميع العالم يصب لمصلحته، مرت أكثر من ساعتين ومازالت تجلس على الأريكةٍ المسطحة القريبة، حتى غفلها النوم فإستسلمت له وتمددت محلها، فإبتسم من يراقبها من الاعلى بسخريةٍ، ثم ولج لغرفته وجذب وسادة وغطاء، ليهبط إليها، فرفع”عاصي” رأسها ثم وضع الوسادة أسفلها، وداثرها بالغطاء جيداً، ثم جلس على الأريكة المجاورة لها يتأملها بشرودٍ قذفه لبقاعٍ الماضي المؤلم.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.