الجزء الأول
بعد ١٤٤ ساعة كاملة مع عشيقته، جوزي افتكر أخيرًا إن عنده مرات حامل. بس لما افتكرني، كان الأوان فات. مساعدته دخلت عليه وهي بتترعش، وقالتله بصوت مخنوق:— «يا أستاذ كريم... مدام مريم نزفت وخسرت ابنكم اللي حضرتك سيبته... وهي وقّعت على ورق الطلاق ومشيت!»ساعتها، وش كريم اتجمّد. لأنه ما كانش يعرف إن الست اللي كان متأكد إنها عمرها ما تقدر تسيبه، كانت خلاص دفنت مستقبلهم بإيديها.
.. ووقّعت على نهاية جوازهم. كان اختفى ١٤٤ ساعة بالظبط مع الست اللي كان بيخوني معاها. ست أيام بس...لكن الست أيام دول كلفوه أكتر بكتير مما كان يتخيل. كنت في الشهر السابع من الحمل، تحديدًا الأسبوع الحادي والثلاثين، لما كريم ساب البيت. قال لي إنه مسافر كام يوم عشان عنده «اجتماع مهم جدًا مع مستثمرين» في الساحل الشمالي.
كان واقف قدامي ببدلته، ماسك موبايله، وأنا كنت قاعدة على طرف السرير وحاطة إيدي على بطني. قرب مني وباسني على جبيني بسرعة، من غير حتى ما يبص في عيني، وقال:— «ماتكبريش الموضوع يا مريم. كام يوم وهكون رجعت قبل ما تحسي إني غبت.»بصيتله وسكت. أنا حسيت. حسيت بكل ساعة غابها. وبكل لحظة كنت محتاجاه فيها ومكانش موجود. مساعدته، سارة، كانت عارفة الحقيقة.
ومش هي لوحدها. ناس كتير في الشركة كانوا عارفين. كريم ما كانش مسافر لوحده عشان شغل. كان واخد معاه داليا سامح، مديرة العلاقات العامة في الشركة، وقضوا الأيام دي في منتجع فاخر في الساحل الشمالي. والحجز كله كان على حساب الشركة. في الليلة التانية، وأنا في البيت، حسيت بوجع غريب. في الأول نزلت نقطة دم صغيرة. افتكرتها حاجة بسيطة.
لكن بعدها بدقايق...الدم زاد. وبقى بينزل بشكل مرعب. اتصلت بكريم. مرة. مرتين. تلاتة. لحد سبع مرات. مفيش رد. إيدي كانت بتترعش وأنا ببعتله رسالة:«كريم... في حاجة غلط. أنا بنزف جامد. بالله عليك رد عليا.»فضلت مستنية. وبعد حوالي تلات ساعات، موبايلّي نور. رسالته وصلت:«مريم، الموضوع يستنى؟ أنا في اجتماع مهم. أول ما أخلص هكلمك.»فضلت باصة للرسالة وقت طويل. وبعدين بصيت على بطني.
ابني كان بيتحرك جواها من كام ساعة بس. وقتها فهمت حاجة واحدة...أنا لوحدي. أمي كانت أول واحدة وصلتني. أخدتني المستشفى وأنا شبه غايبة عن الوعي. الدكاترة دخلوني الطوارئ بسرعة، وبعدها قالوا إن لازم أعمل عملية فورًا. لقيت نفسي على ترابيزة العمليات، النور الأبيض فوق وشي، والدكاترة حواليا. كنت سامعة أصواتهم متقطعة.— «الضغط بينزل!»— «جهزوا دم بسرعة!»— «لازم نلحق الأم والجنين!»حاولت أتمسك بصوت الدكتور. حاولت أسأل عن ابني.
لكن صوتي ماطلعش. وبعد ساعات...ابني آدم ما أخدش نفسه الأول. ابني اللي اخترت اسمه مع كريم. ابني اللي اشترينا له سرير صغير. ابني اللي كنت كل ليلة أحط إيدي على بطني وأكلمه وأقوله:— «مستنياك يا حبيبي.»ابني...راح. لما فتحت عيني، جسمي كله كان بيوجعني. حسيت كأني فاضية من جوا. كأن حاجة مني اتاخدت ومش هترجع تاني. الممرضة كانت واقفة جنبي، وفي إيديها شنطة صغيرة شفافة.
جواها كانت البطانية الزرقا الصغيرة اللي كنت مجهزاها لآدم من أسابيع. حطتها جنبي من غير كلام. أول ما عيني وقعت عليها، جسمي كله بدأ يترعش. لفيت وشي بعيد. ماقدرتش أبص لها. أمي كانت قاعدة جنبي، عينيها مليانة دموع. وعند باب الأوضة كانت واقفة سارة، مساعدة كريم. وشها كان أصفر، وإيديها بتترعش.
بصيت لها وقلت بصوت ضعيف:— «هو... عرف؟»سارة نزلت عينيها في الأرض.— «حاولت أكلمه يا مدام مريم.»سكتت لحظة، وبعدين قالت:— «بس أستاذ كريم قال لي ماحدش يزعجه... إلا لو الشركة ولعت.»فضلت باصة لها. ثواني. وبعدين حاجة جوايا...سكتت. مابقاش فيه غضب. ولا حتى عتاب. ولا رغبة إني أسمع صوته. لأول مرة من يوم ما عرفته...ماحسيتش إني عايزة كريم يرجع. ماعيطتش. ماصرختش. وماطلبتش حد ينتقم لي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.