ضحكوا عليها وهي طالعة تستلم شهادة تخرجها وهي شايلة طفل حديث الولادة... لكن كلمة واحدة من مدير الكلية خلّت القاعة كلها تسكت أول ما اسمي اتقال في حفل التخرج، الهمسات بدأت تعلى من كل ناحية. كنت ماشية ناحية المنصة وأنا شايلة طفل صغير لسه مولود من كام يوم، نايم في حضـ,ـني، وملفوف في بطانية بيضا صغيرة. اسمه آدم.
كنت حاضناه بحرص شديد، وبحاول أمشي ثابتة رغم إني كنت حاسة إن عيون كل اللي في القاعة متعلقة بيا. بالنسبة لمعظم الناس اللي قاعدين قدامي، أنا ما بقيتش الطالبة الأولى على دفعتي...بقيت بس: البنت الصغيرة اللي ماشية في حفل تخرجها وهي شايلة طفل. وفجأة، سمعت صوت واحدة قاعدة ورايا بتقول للي جنبها، بصوت متعمد إنها تسمعني: — "ما هي طلعت زي أمها بالظبط..." ضحكات خفيفة انتشرت في الصفوف. أنا ما بصيتش ورايا. ولا حتى وقفت.
كل اللي عملته إني ضميت آدم أكتر لصدرى، وكملت طريقي ناحية المنصة. كنت عندي اتنين وعشرين سنة. والنهارده كان المفروض يكون أهم يوم في حياتي. يوم ما أستلم شهادة تخرجي بتقدير امتياز، وأطلع الأولى على دفعتي في كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حكومية في القاهرة. لكن بدل ما الناس تتكلم عن اجتهادي وسهر الليالي اللي قضيتها بذاكر، كانوا بيتكلموا عن الطفل اللي في حـ,ـضني. أما أكتر واحدة كانت بتضحك بصوت عالي، فكانت عمتي سهام.
الست اللي ربتني بعد وفـ,ـاة أبويا وأمي. من وأنا طفلة، وهي بتفكرني بشكل مستمر إنها "شالتني من الشارع"، وإن كل لقمة أكلتها، وكل هدوم لبستها، وكل ليلة نمت فيها تحت سقف بيتها، كانت فضل منها لازم أفضل شايلة جميله طول عمري. جنبها كانت بنتها نهى. لابسة وشاح التكريم الأبيض اللي المفروض يكون على كتفي أنا. بنت عمي كانت بتحاول تبان سعيدة، لكن عينيها كانت مليانة شـ,ـماتة.
وقبل حفلة التخرج بأسابيع قليلة، كانت هي السبب في مشكلة كادت تضيع مستقبلي كله. قدمت شكوى ضدي للكلية، واتهمتني إني غشيت في مشروع التخرج. والأسوأ من كده إن حد لعب في بعض الأوراق الموجودة في ملفي الدراسي، واتسببت الشكوى في إيقاف المنحة اللي كنت باخدها، وكمان اتحط تخرجي تحت المراجعة. لكن كل ده بدأ قبلها بثلاث أسابيع.
..في اليوم اللي قابلت فيه آدم. كنت راجعة من تدريب في جمعية أهلية قريبة من السيدة زينب، ولما عدّيت جنب مستشفى حكومي، سمعت صوت بكاء ضعيف. في الأول افتكرت إن الصوت جاي من جوه المستشفى. لكن لما قربت، اكتشفت إن الصوت جاي من جنب سور صغير عند المدخل الخلفي. لقيت كرتونة قديمة محطوطة جنب الحيطة. وفي جوه الكرتونة...كان فيه طفل حديث الولادة.
صغير جدًا. ومتلف في بطانية مستشفى رفيعة، ووشه أحمر من العياط. جريت عليه وأنا مرعوبة.— "يا حبيبي... يا حبيبي إنت مين سايبك هنا؟" الممرضة اللي خرجت ورايا قالت إن الطفل كان لسه مولود من ساعات. وأمه...ماتت بعد الولادة. محدش من أهلها حضر. ومحدش كان عارف يوصل لأبوه. وبعد الإجراءات الأولية، قالولي إن الطفل غالبًا هيتحول لرعاية الأطفال، وبعدها تبدأ إجراءات إيداعه في دار رعاية لحد ما يتم تحديد موقفه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.