ولا عشان أبرر نفسي لعمتي. ولا حتى عشان أخلي نهى تشوفني وأنا بستلم الشهادة. أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس...إن الحقيقة تظهر قدام كل الناس. ولما نادوا اسمي، طلعت على المسرح وأنا شايلة آدم. سمعت الضحك. سمعت الهمسات. وسمعت حد بيقول: — "ما هي طلعت زي أمها..." لكنني كملت مشيي. لحد ما وصلت قدام المنصة. وفجأة...عميد الكلية، الدكتور محمود عبدالسلام، قام من مكانه.
اتجه ناحية الميكروفون. القاعة بدأت تسكت واحدة واحدة. رفع إيده، واستنى لحد ما آخر صوت اختفى. وبص ناحيتي. وبص للطفل اللي في حضني. وبعدين قال: — "قبل ما الآنسة مريم محمود تستلم شهادة تخرجها... الجامعة دي عليها واجب إنها تعتذر لها قدام كل الموجودين." الضحك اختفى. الابتسامات اختفت. حتى عمتي سهام قامت من مكانها وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
أما نهى...فوشها اتغير تمامًا. لأن الدكتور محمود فتح ملف كان في إيده، وقال: — "واللي هقوله دلوقتي... هيغير كل اللي أنتم فاكرينه عن مريم." وساعتها...القاعة كلها سكتت.………..الدكتور محمود بص للناس اللي قاعده مبهوته، وبعدين رجع بصلي وعينيه فيها نظرة احترام كبيرة وهو بيكمل بصواريخ كلامية هزت القاعة كلها:— "فيه ناس فاكرة إن الشجاعة إن الواحد يداري أخطاءه، وفيه ناس تانية فاكرة إن التفوق هو مجرد درجات بتتحط على ورق.
.. بس مريم أثبتت لينا كلنا النهاردة إنها مش بس الأولى على دفعتها في الخدمة الاجتماعية، دي كمان علمتنا درس حقيقي في الإنسانية وفي تطبيق العلم اللي اتدربت عليه."القاعة كانت ساكتة تماماً، وصوت نَفَس الناس هو اللي مسموع. عمتي سهام بلعت ريقها بصعوبة، ونهى وشها بقى أصفر زي الورق. الدكتور محمود رفع الملف اللي في إيده وكمل:— "في الأسابيع اللي فاتت، وصلتنا شكوى كيدية ضد مريم، ومنحة التخرج بتاعتها اتوقفت.
.. وللأسف، اتضح لينا بعد تحقيق داخلي سري وموسع، إن الشكوى دي وراها شبكة تزويـ,ـر وسـ,ـرقة منح طلابية جوه الجامعة نفسها! والموضوع اتكشف بالكامل مش بس بجهود الأمن الإداري، لأ. .. ده بفضل مشروع التخرج اللي مريم بنفسها أعدته ووثقته بالأدلة والمستندات!"هنا بدأت الهمسات ترجع، بس المرة دي همسات صدمة وذهول. عمتي سهام التفتت لنهى بغضـ,ـب وهي بتهمس بصوت عالي نسبياً:— "إيه الكلام ده يا نهى؟
إنتِ عملتي إيه؟ !"نهى كحت من الخضة وقالت بصوت مهزوز:— "أنا... أنا مالى يا ماما! دي بتتبلى عليا!"الدكتور محمود ما استناش، وكمل بصوته القوي:— "التحقيقات أثبتت تورط موظفين في الإدارة وبالتحديد المدعو كريم، خطيبة الآنسة نهى، في التلاعب بكشوف المنح. .. والنيابة العامة بالفعل فتحت التحقيق، وطلبت استدعاء كل المتورطين."عينين القاعة كلها اتحولت مرة واحدة على صف عمتي سهام ونهى.
نهى ككمت نفسها في الكرسي وكأنها عاوزة الأرض تنشق وتبلعها، وعمتي سهام وشها احمر من الكسفة وبقت تبص حواليها باحراج شديد بعد ما كانت بتضحك وتشمت من دقايق. الدكتور محمود ابتسم لي بحنان، ومد إيده عشان يساعدني أطلع الدرجتين بتوع المنصة، وقال في الميكروفون بصوت دافئ:— "اتفضلي يا مريم... استلمي شهادة امتيازك، واستلمي كمان حقك، ومش لوحدك... آدم كمان من النهاردة ابن للجامعة دي كلها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.