. مستحيل.. دي كانت في السابع..» قعد على الأرض وحط إيده على راسه، حس إن الدنيا بتلف بيه، وإن السجادة اللي تحت رجليه بتسحب منه. الست أيام اللي قضاهم على البحر مع داليا وكأس الخمر والضحك.. تمنهم جه غالي قوي.. غالي لدرجة إنه دفع تمنه من دم ابنه ومن عمره كله. قبل ما يقدر يستوعب الصدمة، تليفون الشغل بتاع الشركة رن في جيبه التاني من تليفون أرضي أو رقم تاني.
بص بترحيب كأنه هربان من كابوس، ورد بصوت مبحوح:— «ألو.. مين؟»— «أنا المحامي يا أستاذ كريم. بابلغك إن مجلس الإدارة منعقد دلوقتي حالاً في مقر الشركة، ومدام مريم بتترأس الاجتماع بصفتها مالكة الأغلبية بعد إلغاء توكيل حضرتك.. وحضرتك ممنوع من دخول قاعة الاجتماعات بأمر مباشر منها بصفتها الرئيس التنفيذي الجديد.»كريم وقف زي المسحور، وفتح بقه بس مفيش صوت طلع.
حس إن الأرض بتقفل عليه، وإن الست اللي كان فاكرها أضعف مخلوق في الكون، وهي قاعدة في بيتها مستنياه.. طلعت قاعدة على الكرسي اللي بيحكم إمبراطوريته كلها، وبتقطع رقبته بسلطة القانون والفلوس اللي هو أصلًا ملوش فيها حاجة.— «لا.. مريم ما تقدرش.. دي مراتي!» زعق كريم بصوت مجنون وهو خارج من الشقة بيجري زي المجنون على العربية، ناسي حتى إنه لابس لبس الساحل ومتبهدل.
بس وهو سايق عربيشته بأقصى سرعة في شوارع القاهرة، كان عارف جوه نفسه حاجة واحدة وبس:هو خسر كل حاجة في لحظة طيش.. والست اللي كان بيستهتر بيها، بقت هي القاضي والجلاّد اللي هتقضي على مستقبله في ثواني.……..عربية كريم كانت بتطير على طريق صلاح سالم، إبرة عداد السرعة ثابتة على الـ 160، وقلبه كان بيدق بجنون كأنه عايز ينط من صدره.
في دماغه شريط أسود بيتعد لوحده: صوته وهو بيقول لمريم "ماتكبريش الموضوع"، رسالتها اللي مردش عليها، صياح سارة في التليفون، وكلمة "ابنك مات".دخل جراج شركة الشاذلي للمقاولات والاستثمار، ونزل من العربية بيجري زي المخبول، لابس لبس الساحل الكاجوال اللي مش لايق خالص على هيبة رئيس مجلس الإدارة. طلع على السلالم دفعة واحدة، وعينين الموظفين في الاستقبال كانت مسمّرة عليه بنظرات كلها صدمة وخوف.
. نظرات كأنهم شايفين شبح ميت راجع من السفر. جرى على أسانسير الإدارة العليا، وضغط على زرار الدور الأخير بقوة كأنه بيكسر الزرار. وفي الدور الأخير.. قدام باب قاعة الاجتماعات الكبيرة.. كان واقف اتنين من أفراد الأمن الخاص بالشركة. قبل ما يقرب من الباب، وقفوه بحزم:— «عفواً يا أستاذ كريم.. ممنوع الدخول.
»كريم جحظت عيونه بذهول وغضب أعشى، وزعق في وشهم بصوت عالي ملا أروقة الدور:— «إنتوا اتجننتوا يا حمار إنت وهو؟! إنتوا بتمنعوني أنا؟! أنا كريم الشاذلي! صاحب الشركة دي!»من جوه القاعة، الصوت وصل بوضوح. الباب اتفتح بهدوء، وظهرت منه مريم. كانت لابسة بدلة رسمية سوداء بالكامل، وشعرها منسوب بإتقان، ووشها هادئ ببرود مرعب.
. مفيش على شفايفها أي ابتسامة، وعينيها فيها نظرة حادة تقطع الصلب. مفيش أي أثر للدموع ولا للضعف اللي سابها بيه من أيام.. دي مريم التانية.. مريم اللي اتولدت من رحم الوجع والفقد. وقفت قدام الباب، ورفعت ايدها بهدوء للأمن عشان يبعدوا، وبصت لكريم نظرة فوق وتحت، كأنها بتشوف كائن غريب لأول مرة.
كريم حس بريحه الهوا بتقطع في صدره، وتقدم خطوتين وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته بيترعش بين الغضب والقهرة:— «مريم... إنتِ.. إنتِ بجد مجنونة؟! إيه اللعب العيال ده؟ إيه اللي بتقوليه لسارة والمحامي ده؟! وابننا... ابنا..»قاطعته مريم بصوت هادي وثابت ، صوت خلا كل أعضاء مجلس الإدارة اللي جوه القاعة يبصوا باحترام ورهبة:— «ابننا مات يا كريم.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.