اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك "
نهضت ليلى من مكانها ببطء، وكأن جسدها سبق عقلها إلى تهمس لنفسها... نعم، هو. خرج اسمه من بين شفتيها مرتجفًا، بالكاد مسموع:
_عمران... رفع عينيه إليها. وفي تلك اللحظة تقابلت نظراتهما، حتى سقط كل شيء من حولهما. لم يعد هناك شيئًا حولهما سواهما.. لم يرَ عمران سوى عينيها، ولم ترَ ليلى سوى الرجل الذي كانت روحها تناديه منذ ابتعدت عنها.
اقترب منها خطوة. وعيناه معلقتين بها كأنهما تحاولان استرداد ساعات كاملة من الغياب في لحظة واحدة؛ يتأمل ملامحها، ارتعاشة شفتيها، الدموع التي تجمعت في عينيها... توقفت عيناه فجأة عند عصام الجالس بالقرب منها.
رمقه بنظرة سريعة، ثم عاد إليها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة، لكن شيئًا من الغيرة تسلل إليه رغمًا عنه:
_مين ده؟ لم تجبه.. فقط سالت دموعها. دموع كثيرة، ساخنة، خرجت دفعة واحدة، بعدما عجز قلبها عن احتمال رؤيته واقفًا أمامها.. هو حبيبها
لم يكن خيالًا، ولم تكن أمنية علقت بها وهي تبكي وحدها. كان أمامها فعلًا. وفي لحظة، ركضت إليه. ركضت بكل ما حملته دقات قلبها من خوف واشتياق واحتياج، حتى ألقت بنفسها بين ذراعيه دون أن تفكر. تلقاها عمران كأن ذراعيه كانتا تنتظرانها منذ غابت.
أحاط خصرها بذراعيه ورفعها عن الأرض للحظة، ودفــ,,ـــــن وجهه بين خصلات شعرها، أغمض عينيه بقوة، وكأنه يحاول أن يتأكد أنها حقيقة... أن رائحتها التي افتقدها وصلت إليه أخيرًا. استنشق أنفاسًا عميقة، واحتضنها أكثر. في تلك اللحظة، لم يتذكر لماذا هربت، ولا ما الذي كان يغضبه، ولا ماذا حدث في الساعات الماضية.
. كل شيء تلاشى. بقيت هي. بقي دفء جسدها بين ذراعيه، وارتجافها، وأنفاسها المختنقة بالبكاء. وكأن روحه غابت مثل غيابها. ثم عادت للحياة بمجرد أن أصبحت بين ذراعيه. همس بالقرب من شعرها، بصوت خرج منه متعبًا من فرط الاشتياق:
_حبيبتي...
شهقت ليلى باكية، وتشبثت بقميصه بأصابع مرتجفة، تخفي وجهها في صدـ,,ـــره. لم تكن تبكي لأنها اشتاقت إليه فقط. كانت تبكي لأنها أدركت في تلك اللحظة
أن هذا الرجل لم يعد مجرد شخص تحبه. لقد أصبح جزءًا منها.. أصبح لها الحياة
شيئًا لا تستطيع تخيل يومها بدونه، ولا تعرف كيف يمكن لقلبها أن يعود إلى النبض إن ابتعد عنها مرة أخرى.
ابتعد عمران عنها قليلًا، لكن يديه ظلتا تحيطان بوجهها. رفع وجهها إليه، وأخذ يتفحصها بعينين مرتجفتين، كأنه يريد أن يطمئن على كل تفصيلة فيها بنفسه.
مرر عينيه على وجهها، على دموعها، على شحوب ملامحها... ثم عاد إلى عينيها. كانت نظرته مختلفة. نظرات اراد بها أن يخفيها عن العالم اجمع
نظرة بألف معنى ثم قال بصوت خافت:
_قدرتي تعمليها؟ لم تفهم ليلى السؤال بقدر ما فهمت الخوف المختبئ خلفه.
هزت رأسها بالنفي، وانهمرت دموعها من جديد. _مقدرتش... خرجت الكلمة من بين شفتيها مكسورة. تأملها عمران طويلًا، وكأن تلك الكلمة وحدها أخبرته عن كل ما عانته في غيابه. اقترب بجبهته من جبهتها، وأغمض عينيه للحظة.. تنفس بعمق.
أما هي، فظلت تنظر إليه من بين دموعها، وكأنها تحفظ ملامحه من جديد؛ عينيه، ابتسامته الخافتة، تلك النظرة التي تساوي عندها حياتها بأكملها
وفي تلك اللحظة، لم يحتج أيٌّ منهما إلى اعتراف جديد. كانت الأذرع التي تشبثت ببعضها، والعيون التي لم تستطع الانفصال، والقلوب التي هدأت بمجرد اللقاء.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.