هنا تحدث “أحمد” قائلاً: -شغل إيه اللي كنت بتشتغله مع “وليد”؟ -كنت باخد أنواع المخدــ,,ـــــرات وأوصلها لمكان تاني لناس شكلها بتشتري منه، وبعدين أرجع له بالفلوس، وأنا تحت مراقبة الرجالة بتوعه لو أخدت أي جنيه، كنت بتعذب ألف مرة. لدرجة إني بقيت مش قادر أتحملهم، وبقى ده شغلي، واللي بالنسبة لي كان جحيم.
توقف عن الكلام، فابتلع تلك الغصّة العالقة في حلقه كما لو كانت داءً يمزّقه، ودموع محبوسة خلف جفونه تتصاعد كلما استرجع ما مرّ به من مآسٍ في هذا الطريق المليء بالأشواك والشياطين البشرية التي قادته إلى هذه المساحة المرهقة. كان واضحًا، كوضوح الشمس، أن نهايته تلوح في الأفق. ولما لمح “أحمد” صمته وحزنه الظاهر على ملامحه، سأله قائلاً: -إيه إللي خلاك تفضل معاهم وانت مش طايقهم؟
كان ممكن تهرب وترجع للملجأ، ليه فضلت معاهم؟ أخذ نفسًا عميقًا، وظهرت غيمة من الحزن والإرهاق على عينيه، وقال: -علشان بقيت مدمن على السم ده، وبقيت لو بعدت مش هقدر أعيش من غيره، وهرجع لهم تاني. وده إللي خلاني أجي هنا. تأملوا فيه، بينما كانت تدور في أذهانهم آلاف الأسئلة في انتظار أن يكمل حديثه ويكشف عن سبب قدومه لهم. كانوا يدركون تمامًا أن “وليد” هو الذي أرسله، لكنهم لم يعرفوا الدافع وراء قدومه.
قام “مؤمن” بمسح جبينه بيده ليجفف عرقه، رغم برودة الطقس، إذ كان يتعرق بسبب شدة الألم الذي يعانيه. لكنه تمالك نفسه، وأضاف قائلاً: -“وليد” بعتني عشان أ. بنت اسمها “حنين” هنا، عشان هي السبب في إنه خسر عينه. إداني صورتها وجابني لحد هنا، بس ما قدرتش أعملها. ما قدرتش أ. ها، مش قادر أؤذي حد. عشان كده استخبيت في الأوضه بتاعة البنت دي، ومش عارف أعمل إيه؟
مرر “أحمد” بيده على شعره محاولًا كبح غضبه الذي بدأ يتصاعد داخله كعاصفة. كان يعلم أن “وليد” لن يظل هادئًا إلا إذا حصل على ما يريد. طغى عليه طمعه وجشعه حتى أنه لم يعد يشعر بأنها إبنة شقيقه!. كيف لشخص أن يخون شقيقه ولا يحمل في قلبه رحمة؟ لقد أصبح كشيطان يتبع شهواته، وأعمى عن الحق.
تنهد بضيق، ثم نظر إلى “مؤمن” وقال: -إنت هتروح مصحة علشان تتعالج من السم ده، وقبل ما أخدك هبلغ البوليس بكل حاجة، و أنت قولهم عن مكان “وليد” واللي معاه علشان نخلص منهم. انتفض “مؤمن” من مكانه بفزع، حتى أن آهة من شدة الألم انطلقت من شفتيه. أصبحت علامات الخوف واضحة على ملامحه، فصاح برجاء قائلاً: -بالله عليك ما تبلغش للبوليس، هياخدوني أتسجــ,,ـــــن وأنا ماليش ذنب، “وليد” هو السبب!
-اهدأ، إنت مالكش ذنب. إنت هتساعد البوليس عشان يقبــ,,ـــــضوا على “وليد”، هما بيدوروا عليه من زمان. أنا معاك ماتخفش مش هسيبك غير لما تدخل المصحة وتخف. بعد انتهاء عملهم وحلول المساء، جلس “يونس” على أقرب مقعد أمامه، ممسكًا بفنجان من القهوة ليأخذ قسطًا من الراحة بعد يوم طويل شاق قضاه في الطهي والتنقل من مكان لآخر، حتى بدأ يشعر بتعب قدميه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.