«سامحيني يا سهر..» قالها وهو بيحاول يقرب ويمسك طرف بلوفرها الواسع. «سامحيني.. أنا كنت أعمى.. كنت غبي.
.»«الندم دلوقتي ملوش أي تمن يا أحمد..» نزلت سهر على ركبتها قدامه، وبصت في عينيه اللي مليانة انكسار، وقالت بنبرة قطعت نياط قلبه: «اللي اتكسر زمان، السبع سنين ماصلحوهوش.. اللي راح راح يا أحمد، وأنا دلوقتي مش البنت اللي قاعدة فوق السطوح.
. أنا أم لطفل كفيف محتاجة تكمل يومها بصمت، مش بقصص قديمة مفيهاش رجعة.»في اللحظة دي، الباب اتفتح على مصراعيه ودخل الولد الصغير تاني وهو بيمشي بالعصاية وبيقول بصوت بريء:«مama.. هو في حد بيعيط بره؟
»سهر مسحت دموعها بسرعة البرق، وقفت، ومدت إيدها للولد وقالت بصوت متبسم كأن مفيش حاجة حصلت:«مفيش يا حبيبي.. ده راجل كان بياخد بنزين وماشي خلاص.»أحمد وقف على رجليه بصعوبة، بص للولد، وبعدين بص لسهر.
فهم إن النهاية اتحسمت، وإن الصفحة دي مقفولة إلى الأبد، بس بطريقة أوجع بكتير من كل تخيلاته. عمر فتح باب العربية، وبص لأحمد نظرة طويلة تفهم كل حاجة من غير ما يتكلموا. أحمد بص لسهر نظرة أخيرة، نظرة اعتذار وامتنان ووجع ما بينتهيش، ولف وخرج من المحطة في سکوت تام.
ركب العربية، وقفل الباب وراه. المطر بره كان بينزل بغزارة، كأن السما كمان بتبكي على قصة حب ضاعت تحت عجلات الزمن والوجع. أحمد بص من زجاج العربية لسهر وهي واخدة ابنها في ح. ضنها جوه المحطة، وقال بصوت هامس مسموع لعمر بس:«عمر.. حوّل كل أملاك محطة الأمل دي باسم الولد الصغير.
. من غير ما تعرف، ومن غير ما اسمي يتكتب في أي حتة.. دي حاجة واحدة بس أقدر أعملها عشان أنام بالليل من غير ما ضميري يمو. تني.»عمر حرك راسه بهدوء، وقال:«حاضر يا أحمد.. حاضر.»العربية السودا تحركت على طريق إسكندرية الصحراوي، واختفت في ضباب الشتا، وسهر فضلت جوه المحطة، حاضنة ابنها، وعارفة إن بكرة هيطلع شمس جديدة، حتى لو كانت بعيدة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.