وكان عايز، أكتر من أي حاجة، يرجع لليوم اللي سبق كل ده، قبل ما يكرهها، وقبل ما يتحول الحب اللي جواه لوجع عمره ما عرف يتخلص منه.
لكنه ماقالش أي حاجة من دي. بص لها وقال:
«عايزك تعترفي إنك ندمانة.»
سهر بصت للفلوس اللي قدامها. وبعدين رفعت عينيها له. وردت بكلمة واحدة:
«لأ.»
الكلمة نزلت على قلبه أقسى مما كان متوقع. قطّب جبينه.«لأ إيه؟»
«مش ندمانة إني مشيت.»
ملامحه اتغيرت في لحظة.
سهر لمّت الفلوس، ومدّتها ناحيته تاني.«خد فلوسك يا أحمد. وإحنا هنا مش بناخد بقشيش من الزباين.»
قبل ما يرد عليها، سمع صوت صغير جاي من الأوضة اللي ورا الكاشير.«ماما؟»
ملامح سهر اتغيرت بالكامل. كل الدفاع والغضب اللي كان في جسمها اختفى في ثانية واحدة.
«أيوه يا حبيبي، أنا هنا.»
ظهر طفل صغير عنده حوالي ست سنين، شعره بني فاتح، ولابس جاكيت خفيف رغم البرد. كان ماسك عصاية بيضا، وبيتحرك بحذر شديد، وبيخبط بيها على الأرض قدامه عشان يعرف طريقه. الولد كان كفيف. أحمد اتجمد مكانه.
الطفل حرّك العصاية ناحية الصوت، وبعدين مد إيده الصغيرة قدامه، كأنه بيدوّر على أمه. سهر جريت من ورا الكاشير، ونزلت على ركبتها قدامه.«أهو أنا يا حبيبي. إنت خرجت من الأوضة ليه؟»
الولد ابتسم أول ما سمع صوتها.
«كنت بدوّر عليكي.»
ح. ضنت وشه بين إيديها، ومسحت على شعره بحنان.«أنا هنا يا قلب ماما.»
الولد قرب منها أكتر.«في صوت رعد بره؟»
سهر بصت ناحية الشباك، اللي المطر كان بيخبط عليه بقوة.«لأ يا حبيبي، دي عربيات النقل اللي ماشية على الطريق.
»
«أنا مش بحب الصوت ده.»
ح. ضنته أقوى، وباسته على جبينه.«عارفة يا حبيبي. ماتخافش، أنا جنبك.»
وبصوت واطي، همست له:
«محدش هيحصله حاجة طول ما أنا موجودة. ماما معاك.»
أحمد كان واقف بيتفرج عليهم. كان في حاجة جواه بتتلوى من الوجع.
مش عشان الطفل كفيف وبس. لكن عشان سهر، اللي كان فاكر إنها فقدت كل إحساسها، كانت بتبص للولد بحنان عمره ما شاف زيه. حنان حقيقي. من النوع اللي بيخلي الإنسان مستعد يضحي بعمره كله عشان بس يشوف اللي بيحبه مبسوط.
وبعد لحظات، سهر رفعت عينيها ناحية أحمد. أول ما شافته، ملامحها اتبدلت. رجع الخوف. والحذر. والرغبة في إنها تنهي المقابلة دي بأي طريقة. أحمد بص للولد، وبعدين بص لها. وسأل السؤال اللي جه في دماغه من أول ما شافه:
«هو ابن بليك؟»
عينيها اتغيرت. والحنان اللي كان في وشها اختفى، وحل مكانه برود مخيف.«اطلع بره.»
أحمد اتفاجئ من ردها.«أنا بس بسألك سؤال.»
«وأنا بقولك اطلع بره.»
«سهر…»
«قولتلك اطلع بره يا أحمد!»
«هو ابن الراجل اللي سيبتيني عشانه؟
»
صوتها ارتفع لأول مرة:
«اخرج بره المحطة دي حالًا!»
الولد حرّك راسه ناحية صوتهم. وبعدين سأل ببراءة:
«ماما، مين الراجل ده؟»
سهر سكتت لحظة. وبعدين ضمته لصدرها وقالت:
«ولا حد يا حبيبي.»
ولا حد. كلمتين بس. لكنهم وجعوا أحمد بطريقة ماكانش متوقعها.
من سبع سنين، وهي خلّته يحس إنه ولا حاجة في حياتها. ودلوقتي، بعد ما بقى رجل أعمال اسمه معروف في السوق، وبعد ما بقى يقدر يشتري شركات كاملة من غير ما يرمش، رجع يسمع منها نفس المعنى. إنه ولا حد. رجع خطوة لورا، وضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.