دين في ذمه السنين نورهان العشري

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

كرهها سبع سنين كاملة… لحد ما اكتشف الإيصال اللي عمرها ما كانت عايزاه يشوفه!
بعد سبع سنين من الفراق، قابل أحمد الشناوي حبيبته القديمة سهر عبد الرحمن، واقفة ورا الكاشير في محطة بنزين قديمة على طريق إسكندرية الصحراوي، بتبيع سجاير وبتحضّر القهوة لسواقين النقل، بإيدين كانوا في يوم من الأيام بيعزفوا مقطوعات شوبان على البيانو، لدرجة إن قاعات الحفلات كانت بتسكت كلها عشان تسمعها.

سبع سنين كاملة، وأحمد بيتخيل اللحظة دي. في مرة، كان بيتخيل إنها اتجوزت الشاب الغني اللي اختارته على حسابه، وإنها عايشة في فيلا فخمة، لابسة دهب وألماس، وبتتنقل بعربيات أحدث من اللي كان بيحلم يركبها زمان.وفي مرة تانية، كان بيتخيل إنها هتشوف اسمه في أخبار الاقتصاد، وتعرف إنه بقى واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، وساعتها هتندم على اليوم اللي فرّطت فيه فيه.

وفي الليالي اللي كان الغضب بياكل قلبه فيها، كان بيتمنى إنها تكون تعيسة. وكان بيكره نفسه أكتر في الليالي دي.

لكن لما عربيته السودا الفخمة وقفت تحت لافتة قديمة بتنور وتطفي لمحطة بنزين اسمها «محطة الأمل»، على طريق إسكندرية الصحراوي، في ليلة شتا ساقعة والمطر فيها مش بيبطل، ونزل أحمد الشناوي من عربيته، لابس بالطو رمادي تمنه أكتر من تمن العربية الفان القديمة اللي كان بيشتغل عليها في توصيل الطلبات زمان، اكتشف إن الانتقام ملوش أي طعم لما الحياة نفسها تكون عاقبت الشخص اللي أذاك.

سهر كانت باين عليها الإرهاق. مش الانكسار. لأ، الانكسار كان هيبقى أسهل عليه. لكنها كانت مرهقة، وكأنها بقالها سنين طويلة مش عارفة تنام ليلة واحدة من غير ما تصحى على هموم جديدة. شعرها الأشقر اللي كان طويل زمان، قصّته لحد كتافها، وتحت عينيها الرماديتين ظهرت هالات غامقة.

كانت لابسة بلوفر أزرق بسيط وواسع عليها، مختلف تمامًا عن الفستان الأحمر الأنيق اللي كانت لابساه يوم تخرجهم، في اليوم اللي اتكسرت فيه حياته. رفعت عينيها. إيدها اللي ماسكة جهاز الحساب وقفت مكانها. لمدة تلات ثواني، محدش فيهم عرف يتنفس.

وبعدين قالت بكل هدوء:
«هتحاسب على بنزين طلمبة كام؟»
وبس. لا صدمة. ولا اعتذار. ولا حتى دمعة واحدة. كأن أحمد الشناوي ماقضاش سبع سنين يصحى كل يوم، وكلماتها الأخيرة لسه مغروسة في قلبه زي السكينة. كأنه مجرد زبون تاني داخل يشتري حاجة ويمشي.

ضحك أحمد ضحكة قصيرة. ضحكة طلعت أبرد بكتير مما كان متوقع. وقال وهو باصص لها:
«سبع سنين يا سهر.»
إيدها اتشدت على جهاز الحساب. رفعت عينيها باستغراب مصطنع وقالت:
«نعم؟»
قرب منها خطوة، وصوته بقى أتقل.«سبع سنين كاملة يا سهر!

سبع سنين وأنا مستني أشوفك تاني.»
السواق اللي كان واقف عند ماكينة القهوة بص ناحيتهم للحظة، وبعدين رجع يكمل شرب القهوة بتاعته. سهر حطت جهاز الحساب على الرخامة بهدوء. وقالت من غير ما تبص له:
«لو عايز تشتري حاجة، اتفضل. إنما لو داخل تعمل مشكلة، فالمكان مش ناقص.

»
أحمد بص حواليه. بلاط الأرضية كان مكسور في كذا حتة، وتلاجة المشروبات صوتها عالي، ورفوف البضاعة قديمة، وعلى باب الحمام ورقة مكتوب عليها بخط الإيد:
«من فضلكم، محدش ياخد المناديل والصابون معاه!»
بص لها تاني، وابتسم ابتسامة ساخرة.«هو ده بقى المكان اللي انتهى بيكي الحال فيه؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

قابلت جوزي السابق روايات

قابلت جوزي السابق

كان محمود واقف قدامي وكأنه نسي إزاي يتكلم. عينيه كانت مثبتة على إيلا، وبعدها انتقلت لياسين…

Norhan Mohamed 0.0 9 دقائق