دين في ذمه السنين نورهان العشري

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

»
سهر رفعت حاجبها.«مكان إيه؟»
«الحياة اللي اخترتيها لنفسك.»
للحظة، ظهر في عينيها وجع غريب. لكنه اختفى بسرعة لدرجة إنه ماعرفش يفسّره. سهر لفت ورا الكاشير، وشالت علبة لبن من كرتونة جنبها، وبدأت ترصها في التلاجة كأن الكلام مش فارق معاها. أحمد قرب أكتر.«هو فين بقى؟»
سهر ما ردتش.

فكمل بنبرة مليانة سخرية:
«فين بليك؟»
بصت له باستغراب.«مين؟»
«ماتعمليش نفسك مش فاهمة.»
«أنا مش فاهمة فعلًا.»
«الولد الغني اللي اخترتيه عليّا. ابن الناس اللي معاهم فلوس، واللي يقدروا يحققوا لك كل أحلامك.»
صوته وطي، لكن كل كلمة كانت طالعة محمّلة بسبع سنين من الغضب.

«الفيلا، والعربيات، والسفر، والنوادي اللي كنتِ بتحلمي تدخليها… مش ده اللي كنتِ عايزاه؟ مش إنتِ اللي قولتي إنك محتاجة راجل يقدر يعيشّك المستوى اللي تستحقيه؟»
سهر فضلت ترص اللبن. وبعدين قالت بهدوء:
«الناس بتقول كلام غبي كتير وهي عندها تمنتاشر سنة.»
أحمد ضحك بسخرية.

«آه، بس إنتِ كنتِ عارفة بتقولي إيه كويس.»
«كنت عندي تمنتاشر سنة يا أحمد.»
«وبصيتي في عيني وأنا قدامك!»
إيدها وقفت للحظة.«فاكرة.»
«وقولتيلي إن حبك ليا كان أكبر غلطة عملتيها في حياتك!»
سهر بلعت ريقها. وبعدين ردت بصوت خافت:

«وفاكرة ده كمان.»
أحمد كان حافظ المواجهة دي في خياله ألف مرة. كان متخيل إنه هيقول كلام يوجعها، وإنه هيبقى هادي وواثق، وإنها أول ما تشوفه هتنهار من الندم. كان متخيل إنه هيقف قدامها كرجل أعمال ناجح، وهي هتبقى مجرد ذكرى قديمة مالهاش أي قيمة. لكن الحقيقة كانت مختلفة.

وهو واقف قدامها على بُعد تلات خطوات، حس إنه رجع عنده سبعتاشر سنة تاني. المطر بيبل هدومه. ورجله المكسورة بتوجعه تحت الجبيرة. وهو واقف قدام محطة الأتوبيس، بيتفرج على البنت اللي حبها أكتر من نفسه وهي بتركب عربية شاب تاني، وبتسيبه وراها كأنه عمره ما كان جزء من حياتها.

مد إيده في جيب البالطو، وطلع خمس ورقات من فئة الألف جنيه، وحطهم على الكاشير قدامها.«خدي دول.»
سهر بصت للفلوس باستغراب. أحمد قال ببرود:
«اشتري لنفسك جاكيت محترم بدل البلوفر اللي إنتِ لابساه ده.»
عضلة في فكها اتحركت من شدة الغضب.

دفعت الفلوس ناحيته.«شيل فلوسك يا أحمد.»
ابتسم ابتسامة مستفزة.«إيه؟ مش كفاية؟»
رفعت عينيها له.«أنا مش عايزة فلوسك.»
«غريبة! أنا فاكر إن الفلوس كانت أهم حاجة عندك.»
ساعتها، سهر بصت له مباشرة. ولثانية واحدة، شاف ملامح سهر القديمة.

البنت اللي كانت بتطلع معاه فوق سطح البيت اللي كان ساكن فيه بالإيجار، ومعاها ساندوتشات وكوبايتين شاي، واللي كانت بتخبّي شمعة عيد ميلاد صغيرة في جيبها عشان تحتفل بعيد ميلاده حتى لو ماكانش معاهم فلوس يجيبوا تورتة.البنت اللي كانت بتضحك من قلبها، وتقول له إن أحلى حاجة في الدنيا إنهم يفضلوا سوا، حتى لو عايشين في أوضة فوق السطوح.

قالت بصوت هادي:
«إنت بقيت غني يا أحمد.»
ابتسم ابتسامة مافيهاش أي فرحة.«غني جدًا.»
«مبروك.»
بصلها باستنكار.«وبس؟»
سألته وهي بتبص له في عينيه:

«إنت عايز إيه مني يا أحمد؟»
كان عايز سبع سنين من عمره يرجعوا. كان عايز جواب المنحة الدراسية اللي كانت هتغير مستقبله، واللي اتقطع قدام عينيه. كان عايز يرجع لليوم اللي وقف فيه مستنيها في محطة الأتوبيس.كان عايز يسمع صوتها وهي بتنادي عليه، وتجري وراه، وتقول له إنها مش قادرة تعيش من غيره.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

قابلت جوزي السابق روايات

قابلت جوزي السابق

كان محمود واقف قدامي وكأنه نسي إزاي يتكلم. عينيه كانت مثبتة على إيلا، وبعدها انتقلت لياسين…

Norhan Mohamed 0.0 9 دقائق