لو كانت "ميرال" سقطت بعد مغادرة منزل والدي ولم تكن لشيرين يد في ذلك، لكانت اتصلت بي قبل أن تصل سيارة الإسعاف حتى. قلتُ لـ "مازن": — "عايزك تلاقي طارق علام فوراً." تشنجت حواجب "مازن": — "مساعد والدك؟" — "هو الوحيد اللي هيكون عارف إيه اللي حصل فوق في الجناح." — "طارق تليفونه مقفول ومبيردش من الساعة تسعة.
" نظرتُ إليه. أكد صمت "مازن" نفس المخاوف التي بدأت تتشكل في عقلي. حكايات نورهان العشري قلتُ: "حاول تاني.. وخلّي حد يروح لبابا.. في صمت وبدون شوشرة." — "أنا بعت رفعت فعلاً." أومأتُ برأسي. لهذا السبب ظل "مازن" معي لخمسة عشر عامًا؛ كان يتحرك دائمًا خطوة قبل أن أطلب منه. فتحت الممرضة الباب: — "تقدروا تتفضلوا تدخلوا تاني." بدت "ميرال" أكثر صغرًا وضآلة تحت البطانية البيضاء. عدتُ إلى الكرسي بجانب فراشها وقرأت رسالتها مجددًا.
ليس لمعرفة الحقائق، بل لأنني أردت أن أشهد على كل كلمة كتبتها وهي تعاني وحيدة. في تمام الساعة الثانية صباحًا، اهتز هاتفي. تفقّد "مازن"، الواقف بالقرب من الباب، هاتفه في نفس اللحظة ونظر إليّ. وقال: — "رفعت وصل لوالدك." — "وإيه الأخبار؟" — "بيقول إن عاصم بيه صاحي.. ومنفعل جداً.. وعمال يسأل على ميرال.
" دق قلبي بعنف: — "أبويا كان عارف إنها جاية؟" — "الظاهر كدة." — "وصلني بيه فوراً." وبعد ثوانٍ، ظهر رقم رفعت على شاشتي. أجبتُ، وجاء صوت والدي المتهدج عبر الخط: — "زياد؟" كان الشخص الوحيد في العالم الذي يناديني باسمي مجردًا من الألقاب، بالنسبة للجميع كنت المستشار زياد المسيري، أما بالنسبة له، فكنت لا أزال ذلك الفتى الواقف عند قدمي سرير مستشفى والدتي، أتعلم كيف يمكن للكبار أن يكذبوا بمنتهى السهولة عن طريق إخفاء الحقائق.
قلتُ: — "أنا معاك يا بابا.. ميرال عايشة وبخير." سمعتُ تنهيدة طويلة ومرتجفة عبر الهاتف. وسألني: — "و الطفل" أغمضت عيني للحظة: — "نبضه قوي." — "الحمد لله.. الحمد لله." تشنجت قبضتي على الهاتف: — "بابا.. إيه اللي حصل النهاردة بالظبط؟" ساد صمت طويل. ثم صوت خشخشة خفيفة، كأن رفعت يعدل وضع الهاتف بجانبه. قال والدي بصوت مكسور:حكايات نورهان العشري — "أنا حاولت أقولها.." — "تقولها إيه؟" — "إني عمري ما فوضت شيرين إنها تبعدها عنك.
" هرب الهواء من رئتي تمامًا. — "أنت كنت عارف إن ميرال حامل؟" — "عرفت من أسبوعين." حكايات نورهان العشري — "من أسبوعين؟!" ارتفع صوتي رغمًا عني غضبًا. "ومكلمتنيش ليه؟!" — "حاولت يا بني." — "لأ، محاولتش." — "والله حاولت،" قالها، ولأول مرة منذ سنوات يبدو والدي عجوزًا؛ ليس قويًا ولا شامخًا، بل مجرد رجل عجوز مهدود الحيل. "مكتبك قالوا لي إنك مسافر ومحدش عارف يوصلك.
وتليفونك الخاص كان بيفصل ومبيجمعش معايا. شيرين قالت لي إنك غيرت أرقامك بعد الطلاق." حدقتُ عبر الغرفة في "مازن". كان يسجل ملاحظاته بالفعل. قلتُ لوالدي بوضوح: — "خط تليفوني الخاص متقفلش ومتغيرش يا بابا." — "أنا عرفت ده دلوقتي." سعل والدي، سعلة خفيفة ومؤلمة: — "زياد.. ابدأ معايا الحكاية من الأول." أخذ نفسًا ببطء: — "في ست كلمت البيت.. مجهولة. قالت إن ميرال حامل ومحبوسة في شقة بتتمول من حساباتي الشخصية.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.