حكاية زياد و ميرال نورهان العشري ج١

نُشر منذ 4 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

أنا لم أحمِها.. بل جعلتُ عزلها واستهدافها أمرًا سهلاً للغاية. جاءني صوت "مازن" خفيضًا: "يا زعيم." نظرتُ إليه. "في حاجة كمان." كدتُ أضحك بسخرية مكسورة: "طبعاً.. أكيد في." عرض شاشة هاتفه مجددًا. هذه المرة كانت رسالة من "أميرة": «يا مازن، أنا شفت دفتر الزوار زي ما طلبت مني. مدام ميرال الجارحي مكنتش متسجلة باسمها الحقيقي النهاردة. اتسجلت باسم "م.

شاهين". وشيرين هانم هي اللي وقعت على دخولها بنفسها.» ـ شاهين. الاسم العائلي القديم لأمي المتوفاة "شاهيناز شاهين". دارت الغرفة بي. همستُ: — "ليه شيرين تستخدم اسم عيلة أمي بالذات؟" حكايات نورهان العشري لم يجب "مازن".ولم يكن بحاجة للإجابة. أمي، "شاهيناز شاهين"، توفيت عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري.

سكتة دماغية مفاجئة كما قال الأطباء حينها. فجأة، وبلا مقدمات. وتوقف والدي عن الحديث عنها تمامًا بعد ذلك، إلا في المناسبات الرسمية الخاضعة للرقابة. وتزوج "شيرين" بعدها بثلاث سنوات. قالت لي "ميرال" ذات مرة إن كل بيت فيه غرفة يفضل الناس يتظاهروا إنهم مش شايفينها. وقتها اعتقدتُ أنها تقصد المشاعر، الحزن، وجروح العائلة القديمة. الآن، تساءلتُ إن كانت تقصد شيئًا أكثر واقعية وملموسًا. غرفة مخفية.

. ملف مغلق.. اسم لا يزال يفتح الأبواب الموصدة. أصدر جهاز المراقبة بجانب فراش "ميرال" إنذارًا خفيفًا. انتفض جسدي بالكامل نحوها. دخلت الممرضة مسرعة، تفقدت الشاشة، عدلت المحلول، وتحدثت إلى "ميرال" بصوت دافئ لطيف رغم غيابها عن الوعي. أوضحت الممرضة قائلة: "الضغط وطي شوية.. بس بيرجع يستقر تاني." وقفتُ عاجزًا تمامًا بجانب الفراش، كل غرائزي وقوتي بلا نفع هنا.

أستطيع شراء شركات، وإلغاء عقود، وتحريك فرق حراسة كاملة عبر المدن في دقائق، لكنني لا أستطيع إعادة الدم واللون إلى وجنتي "ميرال". سألتُ: — "ممكن أمسك إيدها؟" بدت الممرضة متفاجئة من سؤالي المؤدب، ثم لان تعبير وجهها وقالت: — "بس براحة خالص." جلستُ بجانب الفراش وأخذت يد "ميرال" بين كفيَّ. كانت أصابعها باردة كالثلج.

وقلتُ بصوت متهدج: — "ميرال.. أنا زياد." لا حركة. أحنيتُ رأسي، متجنبًا سلك المحلول المثبت في معصمها وهمستُ: — "أنا هنا دلوقتي.. وعارف إن ده مش هيصلح أي حاجة. وعارف إنه كان المفروض أكون هنا من بدري.. بس أنا هنا." ظلت يدها ساكنة تمامًا. ضغطتُ بجبهتي برفق على عقل أصابعها، تاركًا الصمت يحمل اعترافي الصادق.

أول مرة التقيت فيها بـ "ميرال"، كانت تجادل مدير متحف حول طريقة الإضاءة. كنتُ قد تبرعتُ بالمال لترميم جناح خاص، وكانت هي مؤرخة الفنون المستقلة التي تم التعاقد معها للإشراف على مجموعة خاصة تجهيزًا لعرضها. أتذكر دخولي إلى المعرض متوقعًا تعبيرات الامتنان التقليدية، لأجد امرأة ترتدي حذاءً مسطحًا ملطخًا بالألوان تخبر المدير بحدة أن الإضاءة الغالية لا تعني إضاءة جيدة بالضرورة. ثم التفتت إليّ وقالت بجرأة: "حضرتك المتبرع.

. قولهم إن الفلوس مش بتشتري الجمال وقعتُ في حبها أسرع مما اعترفت لنفسي به يومًا. لم تكن "ميرال" تهتم إطلاقًا بلقب وعائلة "المسيري". كانت تحب المكتبات القديمة، والشاي بالليمون، والمشي على الكورنيش حتى في عز البرد. كانت تبكي عند سماع الموسيقى الأوركسترالية، وتغضب بشدة عندما يخلط الناس بين اللطف والضعف. لقد علمتني أن الحب لا يجب أن يبدو كعملية استحواذ أو صفقة تجارية.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزي اتجوز ٢ اخبار

جوزي اتجوز ٢

​البيت كان هس هس، هدوء قـ,ـاتل مفيش فيه غير صوت تكتكة ساعة الحائط الكبيرة. نزلت الدادا أمي…

Norhan Mohamed 0.0 5 دقائق