الصورة فيها عشرات الأشخاص واقفين قدام المطعم، بعضهم لابس بدل كلاسيكية، وستات بفستانات قديمة وتسريحات شعر من التمانينيات، وكلهم بيضحكوا للكاميرا. فضلت أتأمل الوجوه واحد ورا التاني، لحد ما جسمي كله اتجمد في مكاني.
أبويا كان موجود في الصورة!كان أصغر بكتير، وشعره أسود، وواقف في الصفوف الخلفية، لابس بدلة غامقة، وعلى وشه نفس الابتسامة اللي أعرفها كويس. لكن الصدمة الحقيقية كانت في الشخص اللي واقف جنبه. أمي!أمي اللي ماتت من تمن سنين، كانت واقفة جنب أبويا في صورة عمرها أكتر من تلاتين سنة.
كانت أصغر، وشعرها طويل، ولابسة فستان بسيط، وإيدها متعلقة بذراع أبويا وهي بتضحك للكاميرا. حسيت بغصة في حلقي. إزاي صورة زي دي موجودة هنا؟ وليه أبويا عمره ما حكالي إن أمي كانت بتيجي المطعم ده؟كنت لسه بحاول أستوعب اللي بشوفه، لما عيني وقعت على حاجة تانية في الصورة.
كانت فيه ست شابة واقفة جنب أمي وأبويا مباشرة. لكن وشها...وشها كان مخدوش بطريقة متعمدة، لدرجة إن ملامحها تقريبًا اختفت بالكامل!حد استخدم حاجة حادة وخدش مكان وشها تحديدًا، من غير ما يلمس أي جزء تاني من الصورة. حسيت ببرودة بتسري في جسمي، وبصيت للجرسونة اللي كانت واقفة جنبي.
أشرت للست اللي وشها ممسوح من الصورة، وسألتها بصوت بالكاد طلع مني:«مين الست دي؟»الجرسونة ما ردتش. فضلت باصة للصورة، وملامحها بقت جدية بشكل خلاني أحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد سر متعلق بمواعيد تعارف أبويا.
وبعد لحظات من الصمت، قربت مني وقالت:«قبل ما أقولك مين الست دي، لازم تعرف إن أبوك مش بيرجع هنا كل مرة عشان يقابل ست جديدة وبس...»سكتت، وبصت ناحية الترابيزة اللي أبويا بيقعد عليها، وبعدها رجعت بصتلي.«هو بيرجع هنا من تلاتة وتسعين، وكل مرة بيحصل نفس الشيء تقريبًا.
بس فيه حاجة عمرك ما هتصدقها عن الستات اللي بيجيبهم معاه.»حسيت إن رجلي مش شايلاني. مسكت طرف الترابيزة، وبصيتلها وأنا بسأل:«حاجة إيه؟ وإيه علاقة الست دي بأمي؟»الجرسونة أخدت نفس طويل، وبعدين مدت إيدها ناحية الصورة، وأشارت لمكان صغير جنب إيد الست المخدوش وشها.
وقالت جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:«بص كويس يا أستاذ... دي مش أول مرة أبوك يحاول يلاقي الست دي!» 😱💔………..بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز وأنا بבص للجرسونة ومش مصدق اللي بتسمعه:«قصدك إيه؟.. تقصد إن أبويا مش بيدور على زوجة أصلا؟ أمال الستات دول إيه؟
!»بصتلي الجرسونة بنظرة مليانة شفقة، وقالت بصوت واطي وخافت كأنها بتخاف الحيطان تسمعها:«عم محمود بيجي هنا كل ما يحس إنه قرب ينسى ملامحها.. الستات دول مش بيمشوا عشان قالهم كلمة وحشة، دول بيمشوا عشان في نص العشا، لما النور يخف والمزيكا الهادية تشتغل، بيبص لعين كل واحدة فيهم، ويسألها سؤال واحد بيكررّه مع كل واحدة: «إنتِ متأكدة إنك إنتي؟
.. مش حاسّة إننا تقابلنا هنا قبل كده؟»»جسمي كأن اترش عليه مية ساقعة في عز الشتا. كملت وهي بتشاور على الصورة:«الست اللي وشها متشال دي.. اسمها «سوسن»، كانت خطيبته وشريكة في تأسيس المطعم ده معاه ومع أصحاب تانيين سنة 1987.
. قبل الفتح بأسبوعين، سوسن اختفت تمامًا.. مفيش أثر ليها، وسبتله الوجع ده كله.. ومن يومها، وهو كل فترة يجيب ست تكون شبهها في قصة شعرها، أو في طريقة ضحكتها، أو حتى في نبرة صوتها.. يقعد يبص لها، ولما تحصله اللحظة اللي بيفتكر فيها سوسن بجد، بيطلب منها نفس الطلب القديم.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.