عشاء مع الماضي نورهان العشري

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

انزل اتبسط وربنا يكرمك.»ضحك، وحط برفانه، ونزل وهو لأول مرة من فترة طويلة باين عليه إنه مستني حاجة حلوة. رجع بعد العشا بحوالي عشر ونص بالليل. كان هادي بشكل غريب، ووشه مفيهوش أي تعبير.

سألته وأنا بفتح له الباب:«ها يا حاج، عملتوا إيه؟ العشا كان حلو؟»خلع جاكته وعلّقه على الشماعة، وقال من غير ما يبصلي:«الحمد لله، كل حاجة كانت كويسة.»استنيت شوية، وبعدين سألته:«طب ونادية؟ اتفقتوا تتقابلوا تاني؟»سكت لحظات طويلة، وبعدها رد:«قالت إنها هتكلمني.»لكن اليوم خلص، والتاني جه، وبعده يوم كمان، ومفيش أي مكالمة جات.

ولما أبويا حاول يتصل بيها، تليفونها رن من غير رد. وبعد يومين، بعتت له رسالة قصيرة جدًا بتعتذر فيها عن عدم قدرتها على الاستمرار في التعارف، من غير ما تشرح أي سبب.

ساعتها، حسيت إن الموضوع مبقاش مجرد سوء حظ. سبع ستات في سنة ونص، وكلهم بيختفوا بعد أول عشا في نفس المطعم!كان لازم أعرف فيه إيه. تاني يوم الصبح، استنيت لما أبويا خرج يشتري حاجات للبيت، وخدت عربيتي وروحت الزمالك.وصلت المطعم حوالي الساعة اتنين الضهر، وكان المكان هادي، وعدد الزباين قليل.

دخلت، واخترت ترابيزة قريبة من الكاشير، واستنيت لحد ما جرسونة شابة قربت مني. كانت في أواخر العشرينات، وشكلها إنها شغالة في المكان من فترة طويلة. طلبت قهوة، وبعد ما حطتها قدامي، فتحت موبايل ووريتهالها صورة أبويا.

وسألتها بهدوء:«معلش، هو حضرتك تعرفي الراجل ده؟»أول ما عينيها وقعت على الصورة، ملامحها اتغيرت. فضلت باصة للموبايل ثواني، وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت:«أيوه، طبعًا. ده عم محمود.»استغربت من ردها.«يعني هو بييجي هنا كتير؟»هزت راسها وقالت:«كتير جدًا. حضرتك ابنه؟»«أيوه، أنا ابنه.

وبصراحة، أنا جاي أسألك عن حاجة محيراني ومش عارف ألاقي لها تفسير.»ابتسامتها اختفت بالتدريج، وبصت ناحية المطبخ كأنها بتتأكد إن محدش سامعنا. قربت منها شوية وقلت:«أبويا اتعرف على سبع ستات في الفترة اللي فاتت، وكل مرة بياخد واحدة فيهم هنا على العشا.

والغريب إن بعد كل مقابلة، الست دي بتقطع علاقتها بيه تمامًا. لا بترد على مكالماته، ولا بتوافق تشوفه تاني.»سكت لحظة، وبعدين سألتها السؤال اللي جاي عشانه:«إنتِ شوفتيه مع الستات دول؟ حصل إيه على الترابيزة؟ هو قال لهم حاجة ضايقتهم؟ عمل حاجة خلتهم يمشوا؟»الجرسونة فضلت باصة ليا شوية، وبعدها قالت بنبرة هادية:«والله يا أستاذ، أبوك راجل محترم جدًا، وعمره ما غلط في واحدة فيهم قدامي.

»اتصدمت من ردها.«يعني إيه؟ أمال ليه كلهم بيختفوا بعد ما يقابلوه؟»بصت ناحية المطبخ مرة تانية، وبعدين رجعت بصتلي وقالت بصوت أوطى:«الموضوع مش بيبدأ وقت العشا يا أستاذ.

»حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع.«أمال بيبدأ إمتى؟»اترددت شوية، وبعدين قالت:«لما بيطلبوا الحساب!»فضلت باصلها من غير ما أتكلم. حساب إيه اللي ممكن يخلي ست تقرر إنها متشوفش راجل تاني طول عمرها؟قبل ما أسألها، شالت الصينية اللي كانت في إيدها، وأشارتلي إني أقوم معاها.

«تعالى معايا، هوريك حاجة بنفسي.»مشيت وراها وسط الترابيزات، لحد ما وصلنا لآخر المطعم، عند الركن الهادي اللي أبويا دايمًا بيحجز فيه. وقفت قدام ترابيزة صغيرة جنب الشباك، عليها مفرش أبيض، وفي نصها مزهرية فيها ورد أحمر. قالت وهي بتشاور عليها:«أبوك بيقعد هنا كل مرة.

نفس الترابيزة، ونفس الكرسي، حتى إنه دايمًا بيطلب يقعد ووشه ناحية الحيطة دي.»بصيت للحيطة اللي ورا الترابيزة. كان عليها صور قديمة للمطعم من أيام افتتاحه، وصورة كبيرة مؤطرة بإطار خشبي غامق، شكلها مختلف عن باقي الصور. قربت منها.كانت صورة جماعية بالأبيض والأسود، متصورة ليلة افتتاح المطعم سنة 1987.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

قابلت جوزي السابق روايات

قابلت جوزي السابق

كان محمود واقف قدامي وكأنه نسي إزاي يتكلم. عينيه كانت مثبتة على إيلا، وبعدها انتقلت لياسين…

Norhan Mohamed 0.0 9 دقائق