أبويا الأرمل كان بياخد كل ست يتعرف عليها لنفس المطعم، وبعد كل خروجة محدش فيهم كان بيرضى يرد عليه تاني! ولما قررت أسأل الجرسونة عن السبب، اكتشفت سرّ خلاني مش قادر أصدق اللي شوفته بعيني! البارت الأول أمي ماتت من تمن سنين، ومن يومها وأبويا، محمود عبد الرحمن، اتغيّر تمامًا.
كان بيحبها حب عمري ما شفت زيه، وعشان كده، أول تلات سنين بعد وفاتها، ماكانش حتى بيقبل يسمع كلمة جواز أو ارتباط من جديد. كنت كل ما أحاول أفتح معاه الموضوع، يرد عليّا بنفس الجملة:«أمك الله يرحمها مش واحدة تتعوض يا ابني، وأنا مش شايف إن فيه ست تقدر تاخد مكانها في قلبي.
»كنت فاهم وجعه، وما ضغطتش عليه أبدًا. لكن لما وصل لسن الـ68، بدأ يحس إن الوحدة بقت تقيلة عليه، وقرر إنه يدي لنفسه فرصة جديدة، ويتعرف على ستات يمكن يلاقي معاهم الونس اللي افتقده بعد رحيل أمي. بصراحة، فرحت له من قلبي.
كنت نفسي أشوفه بيضحك من تاني، ويخرج، ويحس إن لسه فيه حاجات حلوة مستنياه في الدنيا. لكن فرحتي ماكملتش كتير، لأن بعد فترة بدأت ألاحظ حاجة غريبة جدًا. في خلال سنة ونص بس، أبويا اتعرف على ست ستات مختلفات.
واحدة كانت أرملة من مصر الجديدة، والتانية مطلقة من مدينة نصر، والتالتة دكتورة متقاعدة من المعادي، والباقيين كانوا ستات محترمات، كل واحدة فيهم عندها حياتها وظروفها، لكنهم كانوا بيدوروا على نفس الحاجة اللي أبويا بيدور عليها: حد يشاركهم باقي العمر.الغريب بقى إن كل مقابلة أولى كانت بتحصل في نفس المكان!
مطعم إيطالي قديم في الزمالك، اسمه «لا فيتا»، موجود في شارع جانبي هادي، بعيد عن دوشة العربيات وزحمة القاهرة. المطعم ده كان معروف بأكله الحلو، وإضاءته الدافية، والترابيزات اللي عليها مفارش بيضا، وصور القاهرة القديمة اللي متعلقة على الحيطان.
أبويا كان بيحبه جدًا، ودايمًا يحجز نفس الترابيزة اللي في الركن، جنب شباك كبير بيطل على الشارع. في البداية، ماخدتش بالي من الموضوع، وقلت يمكن ده المكان اللي بيرتاح فيه. لكن اللي خلاني أقلق فعلًا، إن كل ست من الستات الستة كانت بتختفي من حياته تمامًا بعد العشا!
مفيش مقابلة تانية. مفيش حتى رسالة اعتذار. وفي أغلب الأحيان، لما أبويا كان بيتصل بيهم، ماكانوش بيردوا عليه أصلًا!في الأول، كان بيحاول يبرر لنفسه.«يمكن ماحصلش توافق يا ابني.»وبعدها بأسبوعين:«يمكن هي مش مستعدة تدخل علاقة جديدة.
»ولما الست الرابعة اختفت، بدأ صوته يتغير وهو بيتكلم عن الموضوع. أما بعد الست السادسة، فقد لاحظت إنه بقى بيتجنب الكلام عن التعارف تمامًا. كنت شايف الحزن في عينيه، لكنه كان بيخبيه ورا ابتسامة باهتة كل ما أسأله إذا كان فيه حاجة مضايقاه.
لحد ما حصلت الحكاية اللي خلتني أقرر إني لازم أعرف الحقيقة. من حوالي شهر، أبويا اتعرف على ست اسمها نادية، أرملة في أوائل الستينات، وكانت على حد وصفه ست طيبة ومحترمة، وبتحب القراءة والمزيكا القديمة. لأول مرة من شهور، شوفته متحمس لمقابلة جديدة.
حتى إنه اشترى قميص جديد، وطلب مني أساعده يختار هدية بسيطة ياخدها معاه. وقبل ما ينزل، وقف قدام المراية، وعدّل ياقة قميصه، وبصلي بابتسامة خجولة.«إيه رأيك يا ابني؟ شكلي كده لسه ينفع أخرج في ديت؟ ولا خلاص كبرت على الحركات دي؟»ضحكت وقلت له:«يا عم إنت زي الفل، وبعدين هو الحب ليه سن معين؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.