— "صوتك وطريقتك بقوا شبه والدتك الله يرحمها بالظبط."
وعند ذكر والدتي، انقبض صدري بشدة وتشنج حلقي.وقلت بلهجة قاطعة:
— "بابا.. قولي.. إيه هو ملف شاهيناز؟"
تغير الصمت على الطرف الآخر تمامًا.أصبح صمتًا أعمق.. وأقدم.. صمتًا يحمل عبء السنين.وسألني بنبرة مرتجفة:
— "إنت سمعت الاسم ده فين؟"
— "في التسجيل.. يوسف قال لشيرين إنها كان لازم تفكر في كدة قبل ما تروح وتقوله إن ملف شاهيناز لسه شغال ومقفلش."
ولم ينطق والدي بحرف.صحتُ به بقلة صبر:
— "بابا.. انطق!"
— "لازم تيجي البيت يا زياد.. لازم نتناقش هنا."
— "لأ.. إنت هتقولي دلوقتي حالا."
— "مقدرش أشرح لك الموضوع ده في التليفون يا بني.
"
— "يبقى تشرح لي جزء منه حالا ومن غير نقاش."
أصبح تنفسه مضطربًا وغير منتظم:
— طول السنين دي كنت فاكر إن قفل الملف ده وإخفاءه هو الحماية الحقيقية ليك."
سرت برودة مميتة في جميع أنحاء جسدي وسألت:
— "تحميني من إيه بالظبط؟"
— "من إنك تشك في كل الناس اللي حواليك وفي أقرب الناس ليك."
نظرتُ عبر الواجهة الزجاجية لغرفة "ميرال" وهي نائمة بسلام، وتستقر يدها الدافئة بحماية فوق طفلنا المنتظر.وقلت بمرارة وسخرية:
— "الموضوع ده حصل وانتهى من زمان يا بابا."
انكسر صوت والدي وبكى قائلاً:
— "يا زياد.. موت والدتك مكنش بالسبب والطريقة اللي أنا قولتهالك وزي ما إنت فاكر.
"
توقف كل شيء في داخلي عن الحركة تمامًا.وتلاشت جميع أصوات الممر والأنوار؛ الممرضات، عربات الأدوية، الأصوات البعيدة... كل شيء تلاشى وابتعد، ولم يتبق سوى صوت دقات قلبي المتسارعة بعنف.وهمست بصدمة ورعب:
— "أنت بتقول إيه بالظبط؟!"
أجابني بصوت مرتعش يكاد لا يبين:
— "أنا بقول إن شاهيناز اكتشفت كوارث في حسابات عيلة المسيري الائتمانية قبل ما تموت.. كوارث وفساد مالي وتلاعب كان مشترك فيه جوز شيرين الأولاني.. أبو يوسف الحقيقي.. وحسابات تانية مكنش المفروض يكون ليها وجود أصلاً في الدنيا."
تشنجت قبضتي على الهاتف وكدت أهشم الشاشة بأصابعي:
— "أبو يوسف الحقيقي؟!"
وصمت والدي تمامًا. وانفتح تحتي بئر سحيق من الأسئلة والشكوك المرعبة. كان "يوسف" أخي غير الشقيق، هذا ما كنت أعرفه طوال حياتي؛ كانت "شيرين" أرملة عندما تزوجت والدي، وكان "يوسف" طفلاً صغيراً من زواجها الأول. وتبناه والدي لاحقًا ومنحه اسم "المسيري" وفتح له أبواب عالمنا وثروتنا.
لكن لو كانت والدتي قد اكتشفت تلاعبًا وفسادًا ماليًا مشتركًا فيه والد "يوسف" البيولوجي قبل وفاتها...فإن هذه المؤامرة أقدم بكثير من "ميرال"..وأقدم من طلاقي منها..وأقدم بكثير من هذا الطفل الذي ينتظر الولادة في أحشائها!سألت والدي بحذر وبنبرة مرتجفة:حكايات نورهان العشري
— "بابا.. انطق.. كان اسمه إيه؟
"
وجاءني صوت والدي يهمس باسم كاد يقتلع قلبي من مكانه:
— "عادل شاهين."
لم يكن الاسم يعني لي شيئًا في البداية.لكنني رأيت "مازن" الواقف بجانبي يستمع للمكالمة، يصفر وجهه بالكامل وتتسع عيناه برعب حقيقي لم أره عليه طوال خمسة عشر عامًا!أنزلت الهاتف عن أذني قليلاً وسألته بهلع:
— "في إيه يا مازن؟ انطق!"
نظر إليّ "مازن" وكأن الأرض انشقت تحت أقدامنا نحن الاثنين لتلتهمنا بلا رحمة، وقال بصوت خافت مرتعش:
— "يا زياد بيه.. عادل شاهين ده يبقى المرشد والعميل الفيدرالي اللي اختفى فجأة وبلا أثر أثناء التحقيقات مع عيلة المسيري من تمنتاشر سنة فاتوا!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.