الوصية الأخيرة أماني سيد ١

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

رجعت لنقطة الصفر، بل أتعس من الصفر بكتير. شيلت شنطة العدة القديمة على كتفي، الشنطة اللي كنت نسيت ملمسها من سنين العز اللي عشتها من خير نسمة، ونزلت أدور على يومية في الورش، أشتغل صنايعي بالإيد زي ما بدأت أول مرة في شبابي. بقيت أرجع بالليل مهدود الحيل، إيديا مشققة ووشي مليان تراب وزيت، أقف قدام شهيرة ترميلي أكل بايت ومصروف بالعافية، وتبصلي باستعلاء بعد ما كانت زمان بتتحايل على نظرة مني.

أقف في الزاوية وأنا مكسور الضهر، شايف ابني بيجري ومش حاسس بوجودي، والوجع ينهش في صدري كل ما أفتكر إني كنت صاحب مال وعز وبنات بيحبوني، وبعت كل ده عشان أرجع في الآخر زي ما كنت.. مجرد صنايعي ملوش تمن ولا قيمة. الأيام بقت شبه بعضها، بطيئة وسودة وتكتم النفس.

كل يوم أصحى مع أذان الفجر، عضمي بيزيّق وجرح العملية بينبض بوجع خفيف مع المجهود، أشيل شنطة العدة التقيلة على كتفي وأنزل أستنى رزقي على القهاوي أو في الورش، أستنى مقاول يشاورلي أو أسطى يديني يومية بالعافية. الناس في السوق اللي كانوا زمان بيقوموا يقفوا لما أعدي ويهتفوا “يا مرحب بالمعلم”، بقوا بيبصولي بشفقة ممزوجة بضحكة شمتانة. كنت بنكس راسي في الأرض وأعدي بسرعة، خايف عيني تيجي في عين حد كان بيطلب مني سلفة زمان.

وفي البيت، البيت اللي كان المفروض ملجأي ومكافأتي على التضحية بكل حاجة، اتحول لسجن بارد. شهيرة ملامحها اتغيرت تماماً؛ مفيش كلمة حلوة، مفيش طبق سخن يستناني. بقت تعاملني كأني عالة تقيلة، كل ما أحط اليومية في إيدها تبصلها بقرف وتلوي بوزها: ـ هما دول اللي جاي بيهم؟ دول ميكفوش بامبرز ولا لبن لابنك.. شوفلك شغلانة تانية بعد الظهر ولا اتصرف، إحنا مش هنعيش على الفتات ده!

حتى الواد، ابني اللي حاربت عشانه ورميت بناتي في النار علشانه، كبر وبقى يشوف أمه بتعاملني باحتقار، فبقى يتعامل بنفس الطريقة؛ ينفر مني لما أمد إيدي أسلم عليه عشان إيديا خشنة وريحتها عرق وزيت، ويجري يستخبى في ح. ضن أمه اللي كانت بتملى دماغه كل يوم إنها هي اللي شايلاه وإن أبوه “راجل على قده مبيعرفش يجيب قرشين”.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزي اتجوز ٢ اخبار

جوزي اتجوز ٢

​البيت كان هس هس، هدوء قـ,ـاتل مفيش فيه غير صوت تكتكة ساعة الحائط الكبيرة. نزلت الدادا أمي…

Norhan Mohamed 0.0 5 دقائق