الوصية الأخيرة أماني سيد ١

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

اللي فضلوا قاعدين على كراسي الانتظار الحديد بالساعات مكانوش لا دي ولا دي.. كانوا أمي وإخواتي. فضلت الساعات تمر مرار وبطء عليهم، مش حباً في تصرفاتي ولا طمعاً في مليم من اللي ورايا، إخواتي عمر ما كان عينهم في قرش من فلوسي، بس كان باقيلهم صلة دم مش عارفين يقطعوها وأنا بين إيدين ربنا. فتحت عيني بعد ما البنج فك، والصداع كان بيفرتك نافوخي.

بصيت حواليا بضعف ولهفة، كنت فاكر إني هلاقي شهيرة وابني أول ناس، بس اتصدمت بوشوش تانية خالص. أمي كانت قاعدة على كرسي جمب السرير، عنيها وارمة من البكا وساكتة، وأخويا وأختي واقفين بعيد مكتفين إيديهم، ووشوشهم كلها قرف وجمود، مكنش في عين حد فيهم نظرة شفقة واحدة، نظراتهم كانت بتقول: “إنت متستاهلش القلق اللي عشناه عليك”. حركت شفايفي بالعافية وسألت بصوت واطي ومبحوح: ـ إ.. إنتوا هنا؟ شهيرة فين؟ وابني.. فين ابني مجاش؟

أخويا نفخ بضيق ومردش، لف وشه الناحية التانية كأنه مش طايق حتى يسمع صوتي، وأختي بصتلي بحدة وقالت بصوت مليان احتقار: ـ بتسأل على شهيرة وابنك؟! متقلقش عليهم أوي كده يا خويا، زمان شهيرة دلوقتي بتختم على آخر عقد في الشهر العقاري عشان تضمن كل مليم كتبتهولها قبل ما تفوق وترجع في كلامك! أمي اتنهدت بقهرة وهزت راسها وهي بتبص في الأرض: ـ نسمة أخدت بناتها ومشيت أول ما دخلت، الست مكسورة ومتبهدلة.

. وإحنا اللي فضلنا قاعدين هنا على أعصابنا مستنيين نعرف هتعيش ولا هتمو. ت. ولا عشان بنفكر في ورث زي ما شيطانك سوّلك ولا عشان طمعانين في قرش من وسخ الدنيا، إحنا فضلنا عشان لحمنا ودمنا بس.. لكن إنت بتفكيرك ده صغرت نفسك أوي وصغرتنا كلنا معاك. الكلام نزل عليا زي السم، حسيت بالخزي بياكل في جسمي كله، ولما جيت أدافع عن نفسي مقدرتش أطلع حرف. وفجأة، الباب اتفتح، ودخلت شهيرة.

. كانت داخلة متأخرة، بتنهج ووشها مشدود، ماسكة الشنطة في إيد وماسكة الولد في الإيد التانية. عينيها أول ما وقعت عليا وشافتني فايق ومفتح، ارتبكت لثواني، وحسيت بنظرة غريبة في عيونها مكنتش قادر أفسرها.. نظرة واحدة مطمنة إن كل حاجة بقت في جيبها رسمي، بس اتفاجئت بوجود أهلي كلهم واقفين سادين الأوضة بجمود وقسوة ومحدش فيهم طايق حتى يرد عليها السلام.

شهيرة وقفت مكانها عند عتبة الباب، عينيها راحت لأمي وإخواتي اللي كانوا واقفين زي الجدار الصامد، ملامحهم خالية تماماً من أي ترحيب. بلعت ريقها وحاولت ترسم على وشها ابتسامة مهزوزة، وقربت خطوتين وهي شادة الواد في إيدها وقالت بصوت ناعم ومفتعل: ـ حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ألف حمد وشكر ليك يا رب، والله العظيم قلبي كان هيقف من الرعب عليك.

أخويا مقدرش يمسك نفسه، طلع تريقة واضحة وضحك بسخرية وقالها ببرود: ـ باين أوي الرعب في عينيكي، مبروك يا ستي.. الورق خلاص ختمتيه وتمام؟ ملحقتيش حتى تغسلي إيدك من حبر التوثيق وجاية تطمني؟ وش شهيرة احمرّ، وارتبكت بجد وعينيها زاغت بيني وبينهم، وحاولت تدافع عن نفسها بنبرة مسكنة: ـ إنت بتقول إيه يا أستاذ أنت؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزي اتجوز ٢ اخبار

جوزي اتجوز ٢

​البيت كان هس هس، هدوء قـ,ـاتل مفيش فيه غير صوت تكتكة ساعة الحائط الكبيرة. نزلت الدادا أمي…

Norhan Mohamed 0.0 5 دقائق