الوصية الأخيرة أماني سيد ١

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

طب والله بنحبك ومش هنطلب منك أي حاجة خالص، بس متبصش في الأرض كدة وقولنا إنك مش هتسيبنا. أختها الصغيرة جريت ومسكت في هدوم نسمة وهي بتبكي بصوت مكتوم ومش فاهمة إيه البيع والشرا ولا إيه الورث، بس حاسة إن أبوها بيتبرى منهم وبيستغنى عنهم على باب أوضة العمليات. نسمة حطت إيدها على راس بنتها وسحبتها لح. ضنها من غير ما تنطق ولا حرف زيادة، بس عنيها كانت كفيلة تدبحني وهي بتبصلي بجمود حقيقي ومرعب.

حاولت أمد إيدي عشان ألمس كتف نور، بس إيدي اتسمرت في الهوا؛ حسيت إني مش قادر حتى أبص في عينيها. شيطاني اللي كان بيوهمني إني “بحمي ابني وسندي” اتبخر في ثانية، وحلت محله غصة سودا سدت حلقي. كنت عايز أقولها “أنا بحبكم”، بس الكلمة وقفت في زوري، حسيتها هتطلع كدابة وملهاش أي تمن بعد ما رميتهم ورميت أمهم ورا ضهري عشان ولد لسه حتى ميعرفش ملامحي.

وفي اللحظة دي بالذات، اتفتح باب العمليات، والممرض جهز الترولي وبص لساعته بصرامة وقال: ـ يلا يا أستاذ، الجراح مستني جوا والوقت اتأخر.. لازم تدخل العمليات حالاً. بصيت حواليا لقيت شهيرة ماسكة الولد وواقفة متسمرة بعيد بتداري عيونها من نظرات أهلي ونسمة، وأمي وإخواتي بيبصولي بذهول وعتاب قاسي محدش فيهم حتى قدر يقولي “تقوم بالسلامة”.

اتحركت بيا النقالة لجوا، والباب بيتقفل على صوت بكا بنتي اللي فضل يرن في ودني، وأنا بتجر لجوا المجهول، مش عارف هعيش ولا همو. ت، بس اللي كنت متأكد منه إني دخلت البنج وأنا خسران كل حاجة، حتى نفسي. غمضت عيني والضوء الأبيض المسلط فوق راسي بدأ يبهت ويدخل في سواد مالوش آخر، وكان آخر صوت تاه في ودني هو شهقة نور بنتي وهي بتسألني: “هو إحنا زعلناك في حاجة؟

”. معرفش الساعات عدت إزاي، لكن أول إحساس رجعلي كان صقيع مرعب محاوط أطرافي، وثقل جبال متكوم فوق نفوخي. حاولت أفتح جفوني بالعافية، الصورة كانت مشوشة، ريحة المطهرات خانقة، وصوت أجهزة النبض بيصفر بنغمة رتيبة وهادية. أنا عايش.. العملية خلصت وأنا لسه بتنفس. أول فكرة خطرت في بالي كانت وساوسي القديمة: “ابني.. وشهيرة.. زمانهم مستنيني على نار، زمان مراتي التانية اللي وقفت جمبها بتدعيلي عشان أقوم لولدها اللي شال اسمي”.

دورت بعيني في الغرفة الباردة، كنت في العناية المركزة، وفجأة لمحت خيال دكتور داخل عليا ومعه ممرضة، قرب وكشف على عيني وقال بنبرة مريحة بس محايدة: ـ حمد الله على سلامتك يا بطل، العملية كانت صعبة جداً وعدت بمعجزة، الورم استأصلناه بنجاح، وخلال ساعات هتنقل لأوضة عادية. نسمة ما استنتش ولا ثانية؛ أخدت بناتها في ح.

ضنها بعد ما انكسر خاطرهم، وخرجت بيهم من المستشفى وعينيها مليانة دمع ووجع، مشيت وهي قافلة الباب وراها وسايبة وراها سنين من عمرها وشقاها اللي ضاع هدر. وشهيرة هي كمان مفضلتش؛ لهفتها على الورق والبيوع خلتها تلم ابنها وتجري ورا المحامي بسرعة عشان تروح الشهر العقاري وتلحق تخلص التوكيلات وتسجيل العقود، تضمن إن كل مليم بقى ملكها رسمي ومفيش فيه رجعة، لا مني لو عشت، ولا من أهلي لو جرالي حاجة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزي اتجوز ٢ اخبار

جوزي اتجوز ٢

​البيت كان هس هس، هدوء قـ,ـاتل مفيش فيه غير صوت تكتكة ساعة الحائط الكبيرة. نزلت الدادا أمي…

Norhan Mohamed 0.0 5 دقائق