الظل العالي نورهان العشري

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

. ومش عايز أثر لسامح ده يفضل موجود. سيلين بصت لمحمود وقالت بصوت مكسور وهي بتفرك إيديها ببعض:— بس يا بشمهندس... المعادي؟ أنا ما أقدرش على ثمن شقة هناك، ولا حتى المستشفى دي.. أنا فلوسي على قد إيدي. محمود التفت لها، ونظرة عينه هديت تمامًا، وقال بصوت حازم بس فيه حنية غريبة:— محدش جاب سيرة فلوس يا سيلين. اللي حصل الليلة دي مش مزيا، ده حقك اللي ضاع سنين. اعتبري اللي جاي كله صفحة بيضا.

. ليكي ولابنك. في الأيام اللي بعد الليلة دي، الدنيا اتغيرت 180 درجة في حياة سيلين. الشقة في المعادي كانت واسعة ومرتبة، وآدم دخل حضانة كويسة، وبقى يصحى يضحك من غير ما يخاف من صوت الكوبايات وهي بتتكسر. وفي الشغل، محمود كان بيراقبها من بعيد وهو مطمن إنها بقت في أمان، لحد ما جه يوم الخميس، بعد الشغل.

محمود دخل مكتبها في الدور الرابع عشر، وخبط على الباب خبطتين خفاف. سيلين رفعت راسها من على الملفات وابتسمت باحترام:— أهلاً يا بشمهندس. . في أوراق محتاج أراجعها قبل ما تمشي؟محمود سند كفه على مكتبها، وقال بنبرة فيها شبه ابتسامة:— لأ.. الورق هينتظر. أنا جاي أعزمك على العشا إنتِ وآدم. مكان هادئ على الكورنيش، بعيد عن زحمة الشغل والمشاكل.

سيلين بصت له بثقة أكبر بكتير من أول يوم دخلت فيه الشركة، عيونها لمعت وقالت بابتسامة حقيقية ولأول مرة من غير خوف:— موافقة يا بشمهندس.. بس بشرط، آدم اللي هيختار المطعم. محمود ضحك بصوت عالي لأول مرة، وقال:— اتفقنا.. آدم هو البوس الكبير النهاردة. ……..عربية محمود وقفت قدام مطعم صغير وهادي على نيل المعادي، مطعم بيكسوه الإضاءة الصفراء الهادية والريحة الطيبة.

آدم نزل من العربية وهو ماسك في إيد محمود وإيد مامته، وعينه بتلمع ببهجة وهو بيشاور على ترابيزة قريبة من الميه:— أنا هقعد هنا يا عمو محمود! من هنا الشوكة والسـ,ـكينة باينين أحسن!محمود ضحك بخفة وسحبه معاه بحنية:— اللي يطلبه البوس يتفذ حالًا. قعدوا التلاتة على الترابيزة، والهوا النيلى الخفيف كان بيلاعب شعر سيلين وهي بتبص لابنها وهو بيلعب بالمناديل ويضحك بصوت عالي.

لأول مرة من سنين طويلة، حست إن صدرها مبيخنقهاش، وإن الهوا داخل رئة بتملاها حياة مش خوف. محمود طلب العشا، وبص لسيلين اللي كانت سرحانة في المية، وقال بنبرة دافية وهادية:— لسه خايفة؟سيلين هزت راسها بالنفي، وابتسمت ابتسامة صادقة نابعة من القلب، وقالت:— ولا كأني كنت خايفة في يوم. . أنا بس كنت ناسية إن الدنيا ممكن تكون رحيمة كده.

محمود مد إيده وحطها جنب إيدها على الترابيزة بثبات، وقال:— الدنيا مش رحيمة دايماً يا سيلين.. بس فيه ناس شغلانتها تظللها لما تقسا. وأنا اخترت أكون منهم.. معاكي ومع آدم. في اللحظة دي، آدم نادى عليهم بصوت عالي وهو بيشاور على مركب شراقي معدي في النيل:— ماما! عمو محمود! شوفوا المركب!

سيلين ضحكت بصوت عالي، ومحمود بص لها وبص لابنها، وحس إن دي أول مرة يحس فيها إن عنده بيت وعيلة، وإن الحكاية اللي بدأت بمقابلة توظيف صدفة في الدور الرابع عشر، ما كانتش مجرد شغل. . دي كانت بداية عُمر جديد.… بعد العصر بشهرين. المكتب كان هادي وواسع، وإضاءة الشمس الهادية دخلة من الشباك الكبير وشارعة على النيل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

قابلت جوزي السابق روايات

قابلت جوزي السابق

كان محمود واقف قدامي وكأنه نسي إزاي يتكلم. عينيه كانت مثبتة على إيلا، وبعدها انتقلت لياسين…

Norhan Mohamed 0.0 9 دقائق