سلفتي حاولت في الأول تلقح بالكلام وتتمسكن لما شافت تامر ماسك إيدي وإيد بنته، ولابسة الفستان الجديد والتليفون الحديث في إيدي، بس كانت نظرة تامر ليها كافية تخرسها وتبلع لسانها.. نظرة راجل فاق وعرف مين بيصونه ومين كان بيمص دمه وشماتان فيه. أما أنا، فطلعت من التجربة دي بأكبر درس في حياتي؛
التضحية اللي ملهاش سقف بتتحول مع الوقت لواجب مفروض، والقناعة الزيادة عن اللزوم مش شطارة، دي سذاجة بتعلم اللي قدامك يسترخصك وينسى إنك إنسانة ليكي نفس وحقوق. اتعلمت إني ما أستخسرش في نفسي حاجة، وإني أطلب وأتدلل بكرامة، والأهم من ده كله.. إن العطاء مش عيب، بس لازم يكون بحساب، واللي يقدرك تشيله فوق راسك، واللي يشوف رضاك ضعف.
. توقفه عند حده من أول لحظة. تامر فضل يض. رب النمرة بجنون، مرة واتنين وتلاتة، لحد ما الرنة فجأة قطعت بصوت صفارة غليظة.. بلوك. جرب يرن على تليفوني القديم، لقاه مقفول، جرب يكلم أبويا من أرقام تانية، الخطوط كلها اتقفلت في وشه. حس إن الدنيا بتضيق حوالين رقبته وإنه بقى محاصر ومفضوح، وأول نار حرقت جواه اتجهت للناحية اللي كانت السبب في الخراب ده كله.
فتح خط مع أمه، وأول ما ردت بصوتها اللي متعود يتمسكن، انفجر فيها بزعيق هستيري: “ارتاحتي يا أمي؟! ارتاحتي إنتي ومرات أخويا؟! بيتي اتخرب ومراتي سابتلي الشقة وأبوها مسح بكرامتي الأرض وقفلوا كل السكك في وشي! منكم لله.. ضيعتوا مني الست اللي كانت صايناني وشايلاني عشان شوية فساتين وهدايا فارغة ملهاش تلاتين لازمة! خليتوا سيرتي على كل لسان وكسرتوا عيني قدام حمايا!
” حماتي لما لقت النبرة قلبت جد، ولقت إن الحنفية اللي بتنزل خير ممكن تتقفل، لوت بوزها وردت ببرود وصوت عالي ينقط سم وتخلي: “جرى إيه يا تامر؟! وإحنا مالنا يا حبة عيني؟! هو إحنا اللي كنا بنقولك ما تجبلهاش حاجة؟! ولا إنت كنت بتجيب واحنا بنخبي في الشنط يعني؟! ما إنت اللي كنت بتجيب من نفسك وتتدلع علينا وتعمل فيها الباشا الكريم! اشمعنى دلوقتي ركبتنا الغلط؟!
إنت اللي عينك كانت مليانة زهد فيها، وإنت اللي عودتها وعودتنا، متجيش بقى ترمي بلاك وكسيبتك وخيبتك علينا عشان تراضي الهانم وأبوها!” الكلام نزل على نفوخه زي الجردل المتلج.. اتصدم صدمة عمره. الناس اللي ضحى بكرامة مراته وبراحته وشقاه عشان يرضيهم ويسمع منهم كلمة شكر، في أول لحظة جد باعوه ونفضوا إيديهم منه، وقالوله بمنتهى البجاحة: “إنت اللي بتجيب من نفسك!” قفل السكة في وشها من غير ولا كلمة، وجواه كره وندم مالهمش حدود.
من اللحظة دي، قفل الباب تماماً.. قاطع أمه وأخوه وسلفته، بطل يرد على رسايلهم، ولأول مرة في سنين غربته، قفل محبس الفلوس والشحن نهائي. عدى شهر، ورا التاني، ورا التالت.. تلات شهور كاملين متواصلين، ما بعتش فيهم مليم واحد لأهله، ولا حتى كيس شيبسي. أمه كانت بتلف حوالين نفسها وتبعتر رسايل عتاب واستعطاف مع قرايبهم، وهو قافل ودانه تماماً. التلات شهور دول كان كل همه يوصل لصفا..
يبعت مع معارف، يكتب رسايل طويلة على كل إيميل يعرفه، يستحلف قرايبها يدخلوه وسيط، بس كان الرد دايماً واحد: “صفا قافلة الباب، ومفيش كلام إلا في المحاكم أو لما تنزل وتتحاسب راجل لراجل”. في نهاية الشهر التالت، تامر حجز أول طيارة ونزل مصر من غير ما يعرف مخلوق، حتى أمه مكنتش تعرف إنه نازل.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.