كان متبهدل، مش ده الراجل اللي كان صوته بيهز البيت بغرور وكبرياء. تامر فتح الشنط قدامنا، وكانت مليانة لآخرها.. أحدث تليفون نزل في السوق، علب دهب، هدوم وفساتين على مقاسي بالظبط، ولعب وهدوم غالية جداً لبنته. بصلي وعينه اتملت دموع حقيقية لأول مرة أشوفها، وقرب مني بخطوات مكسورة وقال بصوت بيترج: “أنا عرفت مقاسك يا صفا.. سألت ودورت وحفظت كل حاجة بتحبيها.
. وعرفت إن اللي بيفرط في دهبه عشان يرضي الناس بيفضل طول عمره رخيص في نظرهم ونظر نفسه. أهلي قاطعتهم من يومها، وعرفت مين اللي كان بيحبني ومين اللي كان بيحب جيبي.. اديني فرصة واحدة يا صفا، مش عشان ترجعيلي، عشان أثبتلك إني بقيت الراجل اللي يشيلك إنتي وبنتك فوق راسه، وميخليش مخلوق في الدنيا يتطاول عليكم بنظرة.” فضلت باصة له وللشنط المفتوحة على الأرض، ولعينيه اللي مكنش فيها أي أثر للغرور بتاع زمان.
بنتي كانت مكلبشة في رقبتي وبتبص لأبوها باستغراب وكأنها بتتعرف عليه من أول وجديد. أخدت نفس طويل، وطلعت الكلمات من حلقي هادية، تقيلة، وموزونة، مفيهاش لا انكسار ولا حتى شماتة: “أنا عمري ما قولتلك قاطع أهلك يا تامر، ولا ربيت في بيتي على إني أفرّق بين راجل وأمه.. لكن كل حاجة في الدنيا دي ليها أصول ومقام.
أمك على راسنا وأخوك سندك، بس لما يكون الإكرام على حساب لحمي وكسرتي، ولما الفضل والخير يروح للغريب ويترميلي أنا وبنتك الفتات والإهانة، يبقى ده مش بر.. ده ظلم واستهوان.” قربت منه خطوة واحدة، وصوتي بقى أكثر حزماً: “أنا جيت على نفسي كتير عشانك.. كنت كريمة معاك في مشاعري، وفي تنازلاتي، وفي خوفي على قرشك وشقاك، بس إنت اعتبرت كرمي رخص، واستكترت عليا أبسط حقوقي ورميتني لبواقي غيري.
الغلط مكنش في طلباتهم، الغلط كان فيك إنت، في نظرتك ليا اللي استصغرت وجودي لمجرد إني مكنتش بتمرّد وأطلب.” تامر نزل عينه في الأرض بخجل حقيقي، ودموعه سبقت كلامه. مسك إيدي وباسها قدام أبويا، وباس راس بنته وهو بيترجاني بنبرة صوت مهدودة: “حقك على راسي يا صفا، والله العظيم اتعلمت الدرس ودفعت تمنه غالي من كرامتي وراحتي في الغربة، وعرف مين اللي سند بجد ومين اللي كان مستني الشنط عشان يفرح بجيبي.
أنا مش هبرر، أنا غلطت في حقك وظلمتك وظلمت كرم أصلك.. بس وحياة بنتنا الغالية، لو الموضوع ده اتكرر تاني ولو بنص كلمة أو تصرف يمس كرامتك أو يقلل منك، انزلي وسيبيلي البيت واعملي كل اللي إنتي عايزاه ومحاكم الدنيا كلها تحكم ليكي، وهكون أنا اللي شاهد على نفسي.” بص أبويا لتامر، ورجع بصلي، وساب القرار كله في إيدي بعد ما شاف الندم راكع في عين جوزي، وشاف إن بنت الأصول ردت اعتبارها وكسرت شوكة اللي استرخصها للأبد.
رجعت مع تامر شقتي، بس المرة دي دخلت برجل تانية ونَفَس تاني خالص. الشقة اللي سبتها وأنا مكسورة ومستخسرة في نفسي اللقمة، دخلتها وأنا عارفة قيمتي كويس، وحاطة لكل حاجة في حياتي خط أحمر مفيش مخلوق يقدر يتخطاه. تامر من أول يوم نزوله كان اتغير تماماً؛ أول حاجة عملها بعد ما استقرينا، نزل لأمه لوحده. سلم عليها وقعد معاها، ورجع الود بس في حدود ضيقة وواضحة زي السيف.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.