فأجاب وصوته يتهدج: «قلت حاجات كتير أوي وغلطت.. وكل كلمة غلط قلتها هي اللي جابتني وودتني في داهية لحد هنا».
في هذه الأثناء، كنتُ أقود سيارتي وسط عاصفة مطرية غزيرة، محاوِلةً البدء من جديد. لكن كل شيء سار على نحو خاطئ. هبطت عليّ حالة طوارئ صحية مفاجئة نقلتني إلى المركز الطبي.
اندفع الأطباء حولي، وأخذت الأجهزة تصدر رنينًا متسارعًا، وتداخلت الأصوات في مسامعي. وفي مكان آخر من المدينة، رنّ هاتف عماد.
سألت الممرضة: «حضرتك الأستاذ عماد النجار؟»
«أيوه أنا، مين معايا؟»
«مدام حضرتك اتنقلت عندنا المـ،،سـ،،تـ،،شـ،،فـ،،ى واستلمناها من ساعة».
تغير نبرة صوته وسأل بهلع: «مستشفى إيه؟! وحصل إيه؟ وطمنيني أرجوكي.. ولادي جرالهم حاجة؟»
كان الصمت الذي أعقب سؤالها يبدو بلا نهاية، ثم تحدثت الممرضة بنبرة هادئة: «يا فندم.. يا ريت تيجي هنا فورًا ومن غير تأخير».
سقط الهاتف من يده. وبينما كان يركض مسرعًا نحو المصعد، استهلكته فكرة واحدة مرعبة. لأن آخر كلمات كتبتها له لم تكن «أحبك»، ولا حتى «وداعًا». كانت: «أنت اخترت طريقك.. ادعي بقى ربنا وماتوقفش دعا إن الوقت ميكونش فات!»
بينما كان مايكل يسابق الزمن بسيارته نحو المـ،،سـ،،تـ،،شـ،،فـ،،ى، مرعوبًا مما قد يجده، ظل هناك سؤال واحد بلا إجابة: هل هو على وشك خسارة زوجته وأطفاله إلى الأبد؟
اندفع عماد عبر أبواب المـ،،سـ،،تـ،،شـ،،فـ،،ى وهو مبتل تمامًا من أثر العاصفة، قميصه يلتصق بظهره، ووجهه خالٍ من كل كذبة قالها في حياته. وعند مكتب الممرضات، كان بالكاد يستطيع الكلام: «هند العاصي.. مراتي.. هي حامل في توأم».
نظرت إليه الممرضة، وثمة شيء في تعابير وجهها جعل ركبتيه ترتجفان ضعفًا. قالت له: «أوضة 314.. بس يا فندم.. جهز نفسك».
ركض مسرعًا. وخارج غرفتي، كانت همس تقف مكتوفة الأيدي، وعيناها حمراوان من الـ،،بـ،،كـ،،اء. وعندما رأته، تحول حزنها إلى غضب عارم.
همست قائلة: «مفتكرتش إنك جوزها غير دلوقتي؟ مفيش دخول».
«همس أرجوكي.. هما عايشين؟»
اقتربت منه أكثر، وصوتها يرتجف: «قصدك الولاد اللي افتكرتهم بعد ما وصلتلك أوراق الـ،،طـ،،لـ،،اق؟»
تراجع عماد للوراء وكأنها صفعته على وجهه. ومن خلف الباب، كان جهاز المراقبة يصدر رنينًا منتظمًا. حاول أن ينظر من خلف همس لكنها منعتْه.
قال: «لازم أشوفها».
فردت همس بحسم: «دي كانت هتموت هي والولاد على الطريق.. لوحدها.. تحت المطر.. وأنت كنت مقضيها مع الهانم».
فتح فمه ليتكلم، لكن لم تسعفه أي حجج. في تلك اللحظة، خرج طبيبي إلى الممر.
«أستاذ عماد؟»
التفت عماد بسرعة كبيرة حتى كاد يتعثر: «طمني يا دكتور.. هي عاملة إيه؟»
قال الطبيب بحذر: «المدام حالتها استقرت حاليًا.. بس التوأم في حالة حرجة وبيمروا بضيق تنفس، وبنعمل كل اللي نقدر عليه».
كرر عماد بذعر: «حاليًا؟ يعني إيه حاليًا؟»
تردد الطبيب قليلاً ثم قال: «في مضاعفات تانية ظهرت».
نظرت همس بعيدًا. وتسارعت أنفاس عماد: «مضاعفات إيه؟»
وقبل أن يتمكن الطبيب من الإجابة، رنّ هاتفه. كانت لارا. رفض المكالمة. فرنّ الهاتف مجددًا. ثم ظهرت رسالة على الشاشة: «لازم ترد عليا.. الموضوع ده يخص مستقبلك».
حدق عماد في الشاشة، والاشمئزاز يملأ ملامح وجهه. كان على وشك أن يلقي بالهاتف أرضًا عندما وصلت رسالة أخرى: «أنا حامل».
شعر وكأن العالم كله يميل به. رأت همس تعابير وجهه، وضحكت بسخرية مريرة: «تمام.. كملت كده! مفيش جديد يعني».
لكن فجأة، اندفعت ممرضة من غرفتي مسرعة: «يا دكتور.. المدام فاقت.. وبتنده عليه هو بالذات».
تخطى عماد مشاعر الخزي والخوف والخراب الذي يحيط به، وخطا إلى الداخل. كنتُ مستلقية.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.