قناعة أماني سيد ١

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

” الكلمات نزلت على نافوخي زي مية مغلية. “ابقي خدي تليفونها القديم.. وماتبصيش في إيد غيرك!” قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق بحرف زيادة. الخط فصل، ومعاه انفصلت تماماً عن الست الطيبة الهبلة اللي كانت مقتنعة إن الرضا والتضحية بيجيبوا تقدير. وقفت قدام المراية وبصيت لملامحي الشاحبة.. أنا اللي عملت في نفسي كده.

أنا اللي بنيت لغيري عروش على حساب راحتي وكرامتي، وأنا اللي حفظته إني رخيصة لحد ما صدق إني ما استاهلش حتى تليفون جديد أو فستان على مقاسي، وخليت الكل يرميلي الفتات ويشمت في كسرتي بقلب بارد. ساعتها الدموع نشفت في عيني، والنار اللي كانت قايدة في صدري اتحولت لجليد. مسحت وشي بقوة، وقررت إن الدرس ده كان بفلوس غالية أوي، والست الأصيلة اللي كانت بتموت عشان تسعد الكل دي دفنتها خلاص.

. ومن اللحظة دي، مش هدفع قرش من جيبي، ولا هتنازل عن حقي في مليم، واللي استرخصني وباع كرامتي عشان يرضي غيري، هيعرف قريب أوي إن اللي بيتنازل برضاه.. لما بيقرر يقف على حيله، بيهد المعبد كله فوق دماغ اللي فيه. فضلت ليلتها صاحية لحد الفجر، مش بعيط.. العياط ده للضعاف اللي لسه عندهم أمل في العتاب، وأنا الوجع موت جوايا كل حاجة حلوة ليه.

الصبح نزلت حماتي ترن عليا الجرس زي عادتها، فتحت الباب بهدوء مريب وبصيتلها ببرود. كانت نازلة رايحة السوق، ومدت إيدها بورقة وقالتلي بنبرة الأمر اللي اتعودت عليها: “خدي يا بت انزلي هاتي الطلبات دي، واطلعي نضفي الصالة بتاعتي عشان سلفتك تعبانة نايمة فوق، وجهزي الغدا عشان ابن عم جوزك جاي يتغدى معانا.. وسلفتك بتقولك لو محتاجة التليفون القديم تعالي خديها برمجيه وابقي نضفيه من لعب الواد.

” بصيت للورقة اللي في إيدها، وبصيت لعينها الشمتانة، ولقيت ابتسامة هادية وباردة بتترسم على وشي لأول مرة.. سحبت نفسي لورا ومردتش أمد إيدي آخد الورقة. حماتي كرمشت وشها باستغراب: “إيه، مالك متخشبة مكانك كده ليه؟ متمدي إيدك تاخدي الورقة وتنزلي تخلصي اللي وراكي!” رديت بصوت واطي بس كان طالع حاد زي الموس: “معلش يا حماتي.. رجلي وجعاني ومش نازلة، والبيت اللي تحت يتنضف باللي قاعدين فيه واللي بياكلوا خيره.

. مش أنا الأصيلة اللي ملهاش في المظاهر ولا الهدوم؟ خلاص، خلي اللي واخدة الفساتين والمكياجات والتليفونات الجديدة تنزل هي تشقى عشان تستاهل اللقمة اللي بتاكلها من خير جوزي.” حماتي برقت وعينيها جحظت من الصدمة: “إنتي اتجننتي يا بت إنتي؟! بتعلي حسك عليا ومش عايزة تخدميني؟! ده أنا هكلم ابني أقوله على قلة أدبك!” قولتلها ببرود أشد: “كلميه.. وقوليله كمان إن تليفون سلفتي القديم تخليه لابنها يشبع بيه، ومرمطة ببلاش مبقاش فيه خلاص.

” قفلت الباب في وشها على تكّة الترباس، وسمعت صريخها ورزعها تحت وشتيمتها. زمان كنت هترعب، هخاف على زعلها وزعل ابنها، كنت هجري أعتذر وأبوس راسها عشان مايشيلوش مني.. لكن دلوقتي؟ ماكانش فارق معايا لو البيت كله اتهد. طلعت تليفوني المكسور، وحاولت أفتحه بصعوبة لحد ما لقط شبكة، وبعتله رسالة واحدة على الواتساب، واضحة ومفيهاش لا عتاب ولا لوم: “مصروف البيت اللي كنت بتبعته بالقطارة ده ميكفنيش أسبوع.

. من أول الشهر الجاي هتبعتلي مصروفي الشخصي ومصروف شقتي كاملين زي ما بتبعت لأهلك بالظبط، وأحدث تليفون هينزل في السوق هيوصلي هنا على باب شقتي.. غير كده، أنا ورقة طلاقي توصلي على بيت أهلي، والفلوس اللي شقاك ضايع فيها عليهم هتدفعهالي مؤخر ونفقة ومتعة بالقانون.. اختار يا ابن الأصول، تدفع برضاك وإنت مقدر كرامة مراتك، يا إما تدفع بالشرع والمحاكم، وصدقني مش هسيب فيهم مليم.

” قفلت التليفون ورميته على السرير، وقفت في نص الصالة وأنا بتنفس لأول مرة من سنين هوا نضيف.. النار اللي كانت كاوية قلبي انطفت، وبدل ما كنت حاسة بالقهر، حسيت بقوة عمري ما جربتها.. وعرفت إن اللي بنى نفسه من الرخص، محدش بيعرف يغلّيه غير لما هو بنفسه يقف ويقول: “لحد هنا وخلاص”.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
NM

Norhan Mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزي اتجوز ٢ اخبار

جوزي اتجوز ٢

​البيت كان هس هس، هدوء قـ,ـاتل مفيش فيه غير صوت تكتكة ساعة الحائط الكبيرة. نزلت الدادا أمي…

Norhan Mohamed 0.0 5 دقائق