خرجت سيلان من صالة المطار وأنفاسها مفعمة بالأمل، وابتسامة صغيرة مرسومة على وشها وهي بتبص للبلد اللي غابت عنها شهور طويلة. كانت متخيلة إن النهارده هيكون بداية جديدة، اليوم اللي هتجمع فيه شملها بعيلتها، وبحب عمرها اللي عمره ما غاب عن خيالها... نسر الحريري. وقفت تاكسي، حطت شنطتها وادّت للسواق عنوان فيلا الحريري. وكل ما العربية كانت بتقرب، كان قلبها بيدق أسرع، وذكريات آخر لحظة جمعتها بنسر قبل سفرها بتتكرر قدام عينيها.
فلاش باك كانت شنط سيلان متجهزة في صالة الاستقبال، ونزلت درجات السلم بسرعة، لتجد العيلة كلها متجمعة حوالين سفرة الفطار. بص لها الجد صالح باستغراب وقال على فين بالشنط دي يا سيلان يا بنتي؟ ردت وهي متوترة، بينما كل العيون اتوجهت ناحيتها آسفة يا جدو، بس مامي تعبانة في ألمانيا ولازم أسافر فوراً. الطيارة بعد ساعتين ومقدرش أتأخر. هبّ نسر من مكانه، والغيرة والغضب ظهروا في عينيه وحضرتك كنتِ ناوية تعرفينا إمتى؟
بعد ما الطيارة تقلع؟ ولا إحنا هنا ملناش أي اعتبار؟ بللت سيلان شفايفها بتوتر نسر، أرجوك اهدى. الاتصال جالي نص الليل، وكلمت عز يحجزلي التذاكر، وهو جاي دلوقتي عشان يوصلني المطار. قبض نسر إيده بعصبية وعز ده يوصلك بصفتك إيه إن شاء الله؟ تدخل الجد صالح بصرامة في إيه يا نسر؟ إنت وترت البنت ليه؟ عز ابن جوز والدتها ومتربي معاها، طبيعي يساعدها.
لكن نسر ما سمعش كلام حد. مد إيده ومسك إيد سيلان وخرج بيها للحديقة. سحبت إيدها منه بعصبية نسر! إيه الأسلوب ده؟ أنا مش صغيرة عشان تسحبني وراك بالشكل ده! رد بصوت غاضب سيلان، مفيش سفر. إنتِ مش هترجعي ألمانيا تاني. اتسعت عينيها إنت بتقول إيه؟! كليتي ومستقبلي هناك! فاضلي سنة واحدة وأتخرج من طب، عايزني أهد كل ده فجأة؟
مكان ما جوزك يكون، هتكوني. دلوقتي ندخل لجدو ونكتب كتابنا، وبعدها ننقل ورقك هنا ونسافر سوا نزور مامتك. نظرت له سيلان بصدمة، ثم ردت بثبات لا يا نسر. ده مستقبلي، ومش هسيبه عشان تفرض رأيك عليا بالعصبية دي. تغيرت ملامحه تماماً، وقال بجمود مستقبلك أهم مني؟ تمام يا سيلان. يمكن كلام أمي كان صح... يمكن إنتِ فعلًا شايفاني مجرد مرحلة وهتكملي حياتك بعيد عني.
صرخت والدموع لمعت في عينيها نسر! إنت عارف كويس أنا متربية إزاي، وبلاش تجرحني بكلام مش حقيقي. قال ببرود ده آخر كلام عندي. لو ركبتي الطيارة، أنا هقفل الصفحة دي وهكمل حياتي كأنك ماكنتيش موجودة. نظرت له بجرح عميق اللي تشوفه يا نسر. سحبت حقيبتها ومسحت دموعها، وبعد دقائق وصل عز وساعدها في طريقها للمطار، بينما وقف نسر مكانه، الغضب والغيرة عاميين عينيه.
باك مسحت سيلان دمعة شاردة، ونزلت من التاكسي قدام بوابة الفيلا الضخمة. كانت متفائلة إن كل اللي حصل بينهم مجرد خلاف، وإن أول ما يشوفها ويتكلموا بهدوء، كل حاجة هتتصلح. لكن بمجرد ما دخلت من البوابة، سمعت موسيقى عالية، وشافت أنوار بتزين الحديقة بالكامل. خطت كام خطوة بحيرة... وفجأة توقفت. الحقيبة وقعت من إيدها. كان نسر واقف في منتصف الحديقة، مرتدي بدلة العريس السوداء، وبجواره ليلي، بنت عمهما، بفستان زفاف أبيض.
اتجمدت سيلان مكانها. نسر لمح حركة غريبة، فالتفت... وفجأة التقت عيناه بعينيها. كانت واقفة شاحبة، والدموع بتنزل من عينيها في صمت. شعر نسر وكأن صاعقة ضربت قلبه، وتحرك ناحيتها دون تفكير. لكن ليلي أمسكت ذراعه بسرعة وقالت بغيظ نسر! رايح فين؟ أوعى تتحرك خطوة واحدة! إنت نسيت إنك اخترتني؟ ولا لسه هتعمل فيها البطل؟ تجاهلها تماماً، لكن قبل ما يوصل لسيلان، كان الجد صالح وسيف قد اقتربا منها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.