لم تعرف لماذا ابتسمت... ولا لماذا شعرت أن ضحكته تحديدًا قادرة على أن تجعل قلبها أخف. كان في تلك اللحظة يعطيها ظهره، طويل القامة، عريض المنكبين، ببشرة خميرية زادها ضوء الليل دفئًا، وشعر فحمي ناعم تناثرت خصلاته فوق رأسه.
ظلت تحدق به للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى. شاب اعتادت وجوده منذ سنوات... لكنها بدأت تراه الآن بعين مختلفة. ولم تنتبه إلى والدتها التي دخلت الشرفة تحمل كوب الشاي. _عملت لكِ شاي يا حبيبتي. لم تستمع اليها خديجة، لشرودها بمن خطف قلبها، توقفت والدتها خلفها، وتتبعت اتجاه عيني ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة
وضعت كوب الشاي أمامها، ثم سحبت مقعدًا بلاستيكيًا وجلست إلى جوارها. _حلو... وابن حلال كمان. ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي. انتفضت خديجة، وكأن أمها ضبطتها متلبسة بشيء خطير. _هو مين ده يا ماما؟
ضحكت والدتها وهي تشير بعينيها إلى الجهة المقابلة. _أهو... الحليوة الأسمراني اللي خاطف قلوب بنات الحتة. أخذت خديجة تقلب صفحات كتابها بارتباك
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ اقتربت والدتها منها، وقالت بمكر أم تعرف ابنتها أكثر مما تعرف نفسها:
_هتخبي على ماما يا ديجة؟
إنتِ مفكرة إني مش واخدة بالي من نظراتكم لبعض؟ رفعت خديجة عينيها إليها، ثم قالت بذهول:
_نظراتنا؟ ليه... هو بيبص لي يا ماما؟ ولا بيفكر فيا أصلًا؟ ابتسمت والدتها بحنان، وربتت على يدها. _ده مش شايف غير ديجا. توقفت خديجة عن التنفس للحظة. _يعني إيه؟
مالت والدتها نحوها وهمست:
_وعشان تطمني... أمه رمت لي كلمتين كده، وقالت إنهم مستنيينك تخلصي الجامعة. اتسعت عيناها. _معقول يا ماما؟ ابتسمت والدتها. _معقول جدًا. ارتجف قلب خديجة، وانخفضت عيناها إلى الكتاب، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغماً عنها.. تهمس لنفسها
عبد الرحمن...يفكر فيها.
الشاب الذي طالما اعتبرته مجرد جار وصديق للعائلة، كان ينظر إليها بالطريقة نفسها التي بدأت عيناها تنظران إليه بها. لاحظت والدتها السعادة التي أضاءت وجهها، فمسدت على ظهرها بحنان أمومي. _ومش معقول ليه؟ إن كان هو فتى مفتول العضلات وابن حلال، بنتنا برضه جميلة الجميلات.
ضحكت خديجة بخجل، وحاولت إخفاء وجهها خلف الكتاب. فاحتضنتها والدتها بنظرة مليئة بالأمنيات. _ربنا يسعدك يا حبيبتي... وأشوفك أجمل عروسة في الدنيا. لم تجب خديجة. فقط ابتسمت... لكن قلبها كان يجيب بدلًا عنها. وفي الجهة الأخرى، ظل عبد الرحمن يتحدث مع والدته، دون أن يعرف أن فتاته كانت قد سمعت للتو شيئًا سيغير نظرتها إليه إلى الأبد.
أما خلف الباب... كانت جيهان، زوجة أخيها، تقف تستمع إلى كل كلمة. تبدلت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها، واشتعلت الغيرة في عينيها. ابتعدت عن الباب ببطء، ثم تمتمت من بين أسنانها:
_بقى عبد الرحمن بيحبك إنتِ؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة لا تحمل أي خير. _طب قابليني يا حرباية... لو الجوازة دي تمت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم سيلا وليد
بعد أسبوع... خرجت خديجة من بوابة الجامعة، تحمل كتبها إلى صدـ,,ـــرها، وقد بدت على وجهها راحة طال انتظارها. انتهت الامتحانات أخيرًا... خطوات قليلة، وستعود إلى بيتها البسيط، ثم تبدأ البحث عن عمل يساعدها في الوقوف إلى جوار والدتها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.