– ايه دا ؟ معقول دا يحصل!
ضرب نبضي قوياً ضد ضلوعي لمرة واحدة. أما جاسر فلم يتحرك بعد. ولم يتكلم. لأنه كان يحدق مباشرة في بطني الآن. ليس بنظرة عابرة، وليس بنظرة مهذبة. بل بنظرة حادة ومكثفة. وكأن العالم بأكمله من حوله قد توقف عن اتخاذ أي ردة فعل. ابتلعتُ ريقي بحذر وشددتُ كتفيّ.
– أهلًا يا جاسر.
حكايات نورهان العشري
بدا صوتي وكأنه أيقظه من الصدمة التي جمدته في مكانه. اشتد فكه غضباً وضيقاً.
– وأخيرًا يا سارة اتقابلنا بعد ما اختفيتِ فجأة!
لم يقل مرحباً. ولم يقل كيف حالكِ. فقط اتهام مباشر.
نظرت راما بيننا بفضول متزايد. ثم تشنجت نظرتها فجأة. لقد أدركت الأمر. سألت بهدوء:
– أنتِ في الشهر الكام؟
لم أجب. لأن جاسر كان يعلم بالفعل. رأيت ذلك يحدث في ملامح وجهه. ذلك الاستنتاج المرعب الذي يضرب عقله وجسده دفعة واحدة. أظلمت عيناه على الفور. قال ببطء ولكن نبرته كانت قا،،ت،،ل،،ة و بها شيء من التهديد:
– ألماستي...
لم ينادِني أحد بهذا الاسم منذ أشهر. التف الخوف بعنف داخل معدتي. ليس خوفاً منه. بل خوفاً مما سيحدث بعد ذلك. لأن رجالاً مثل جاسر الزيني لا يتخلون أبداً عما يخصهم. وعندما ارتفعت عيناه من بطني لتعود إلى وجهي، أدركتُ بيقين مرعب أنه لن يمرر ما فعلته بسهولة. ثم اتخذ جاسر خطوة واحدة بطيئة نحوي...
وفي تلك اللحظة، تحرك كل الحراس الشخصيين المسلحين داخل المتجر نحو أسـ،،ل،،ح،،ت،،ه،،م في نفس الجزء من الثانية.
فيما تظاهر الزبائن بعدم التحديق وهم يتراجعون بحذر إلى الخلف، وحتى موظفو المتجر بدا عليهم التجمد؛ فلا أحد في مانهاتن يرغب في أن يعلق وسط مواجهة تخص عائلة «الزيني»، خاصة إذا كانت تتعلق بوريث مخفي.
أجبرتُ نفسي على البقاء هادئة وقلت:
– عن اذنكوا ورايا حاجات كتير.
فسأل جاسر وهو يتجاهل حديثي:
– أنتِ هنا لوحدك؟
– أيوا.
تحدث بغضب مكتوم:
– من غير حراسة؟أجابته بتحدي:
– مبقتش محتاجة لرجالتك عشان يمشوا ورايا في كل حتة.اشتد فكه غضباً بشكل ملحوظ وقال:
– دي أسخف اجابة ممكن اسمعها منك.هنا ارتفع صوت «راما» بحدة طفيفة:
– جاسر الناس حوالينا، سامعين و شايفين كل اللي بيحصل.
أخيراً، التفت بنظره نحوها لبرهة وجيزة، لكني رأيتُ في تلك النظرة شيئاً مهماً: جفاءً وبروداً... ذلك النوع من الانفصال العاطفي الذي يستحيل إخفاؤه إذا كنتِ تعرفينه جيداً، وأنا أعرف «جاسر» أكثر من أي شخص آخر.
لاحظت «راما» ذلك أيضاً، ومعه أدركت شيئاً آخر: مهما كانت قوية، ومهما كانت جميلة، ومهما كان اسمها مرتبطاً به علناً... فهي لم تأخذ مكاني قط. حكايات نورهان العشري
ومضت لمحة من عدم الأمان على وجهها قبل أن تختفي خلف قناع الأناقة المعتاد، وقالت:
– بيتهيقلي احنا مفروض نمشي.
– لا.
وقعت الكلمة المفردة كطلقة رصـ،،ا،،ص. نظر «جاسر» إلي وقال بجفاء وعينين لا تقبلان الرفض:
– يالا عشان نرجع على البيت.
كاد قلبي يتوقف؛ هكذا بكل بساطة! بلا اعتذار، بلا تفسير، بلا نقاش حول سبب اختفائي. فقط توقعٌ وأمر، وكأنه يعتقد أنه لا يزال يملك الحق في استدعائي مجدداً إلى عالمه.
ضحكتُ بخفوت قبل أن أتمكن من منع نفسي، وصوت الضحكة فاجأني أنا شخصياً:
– أنت شايف أن دا ممكن يحصل بجد؟
لم أكن اتخيل ما حدث، فما كدت أن أنهي جملته حتى صدمني حين مد يده ليجذبني من خصري لأصبح ملتصقة بصدره العريض وأمام وجهه مباشرةً حتى لفحتني رياح غضبه وهو يقول بهسيس مرعب:
– متفكريش أن ممكن يحصل غير كدا..
عشق على صفيح ساخن بقلم نورهان العشري ج٢
أظلمت تعابير وجهه حين تابع:
– أنتِ حامل في ابني.
– بس دا مش هيغير الـ...



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.