.. جنين؟! لا، لا... هذا غير ممكن. لكن تعابير ميخائيل لم تكن تحمل أي شك. التفت جاسر نحوه ببطء وسأل:― أنت قولت ايه؟. استقرت عينا ميخائيل الباهتتان على بطني وقال:― الحمل متمش بشكل طبيعي. تحطم العالم من حولي، ثم مزقت انقباضة أخرى جسدي بعنف شديد لدرجة أني صرخت. شتم جاسر تحت أنفاسه وحملني إلى الخارج.
كان الثلج قد بدأ يتساقط على مانهاتن، واصطفت السيارات السوداء عند الرصيف بينما كان الرجال المسلحون يمسحون أسطح المباني والتقاطعات، ودوى صدى صفارات الإنذار من بعيد. فجأة بدا وسط المدينة وكأنه سـ،،ا،،ح،،ة مـ،،ع،،ر،،ك،،ة. انزلق جاسر إلى المقعد الخلفي بجانبي بينما انطلق الموكب مسرعاً وسط حركة المرور. أمسك بيدي بقوة، لكن عينيه... كانت عيناه تبدوان مسكونتين بالرعب. لم يتحدث أي منا لعدة دقائق طويلة؛
فالحقيقة المعلقة بيننا كانت شديدة البشاعة، ومستحيلة التصديق. حكايات نورهان العشريوأخيراً سألني بهدوء: أنتِ كنتِ عارفة؟. هززتُ رأسي بضعف والدموع تنزيل على وجهي وقِلت: أقسملك يا جاسر... مكنتش اعرف. داهمتني انقباضة أخرى فبكيتُ بخفوت، فجذبني جاسر إليه فوراً، وعانقني بقوة و شفتيه تقبلان جبهتي وللحظة وجيزة، اختفى الخوف من تعابير وجهه ولم يتبقَ سوى القلق عليّ.
.. عليّ أنا فقط. ثم رن هاتفه، فأجاب على الفور. لم يدم الصمت من جانبه سوى ثوانٍ قبل أن يتصلب جسده بالكامل وسأل بحدة:― يعني ايه اختفت؟. هبطت معدتي خوفاً... راما. استمع جاسر بصمت، ثم قال بنبرة هادئة ومخيفة للغاية:― لازم تلاقوها... قبل ما يلاقيها مكتب التحقيقات الفيدرالي. أنهى المكالمة ببطء، فحدقتُ به وسألت: حصل أي؟
نظر جاسر عبر النافذة إلى المدينة المغطاة بالثلوج، ثم التفت إليّ أخيراً وقال:― راما اختفت من حوالي عشرين دقيقة. تغلغل الخوف في صدري وقلت: هي خططت لكل دا.― فعلا. مزقتني انقباضة أخرى، فشدد جاسر قبضته على يدي، لكن كلماته التالية حطمت آخر وهم بالأمان تماماً؛ إذ خفض عينيه نحو بطني وقال:― ولو كان فولكوف قال الحقيقة... يبقى في حد عايز الطفل دا لسبب معين.
أسرع الموكب عبر مانهاتن بينما كان الجليد يبتلع الشوارع خلفنا. وفي مكان ما في هذه المدينة، كانت راما سنكلير تهرب... ليس من جاسر، ولا من مكتب التحقيقات الفيدرالي، بل من شيء أكثر خطورة بكثير: من الأشخاص الذين يريدون هذا الطفل حياً، بغض النظر عن هوية والده الحقيقي. حكايات نورهان العشري انطلق موكب السيارات المصفحة يشق شوارع مانهاتن كالسهم الأسود، بينما كان الثلج يتساقط بكثافة، مغطياً معالم نيويورك برداء أبيض بارد لا يرحم.
داخل المقعد الخلفي للسيارة، كان الهواء مشحوناً برائحة الجلد الفاخر والتوتر القاتل. قبضتُ على يد جاسر بكل ما أوتيتُ من قوة، والدموع تحرق وجنتيّ مع كل انقباضة تفتك ببطني. الألم لم يكن جسدياً فحسب؛ بل كان عقلي يتداعى تحت وطأة الكلمات الأخيرة التي ألقاها ميخائيل فولكوف. جنين ملقح؟ بويضة مستعارة؟ مؤامرة طبية؟ حكايات نورهان العشريكل شيء عشته في الأشهر الماضية تحول فجأة إلى كذبة كبرى.
كنتُ أظن أنني أهرب لحماية ثمرة حبنا، فإذا بي أكتشف أن جسدي استُخدم كوعاء في لعبة قذرة حُكت خيوطها في الخفاء. نظر جاسر إليّ، وعيناه الرماديتان اللتان طالما أرهبتا رجال العاصمة، كانتا تلمعان الآن بمزيج مرعب من القلق والوعيد. ضغط على يدي وقال بصوت منخفض، أجش، يحاول حثيثاً إبقاء نبرته هادئة:― اتنفسي يا ألماسة... بصيلي أنا. متفكريش في أي حاجة تانية دلوقتي. إحنا ثواني ونكون في المستشفى الخاص بالمنظمة. مفيش مخلوق هيقدر يقرب منك هن



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.